ليالي الشمال الحزينة
مذكرات
.
.

في نقد التاليف(2) الامير صدقة المزيدي

في نقد التاليف(2)
الامير صدقة المزيدي
 
أم لوجود زعامة قوية(مثلما هو الحال في تجربة الأمير صدقة) أم أن الاختلاف المذهبي عن سلطة بغداد كان احد دوافع النشوء والتوسع, وما مدى استفادة الأمير صدقة من النزاعات بين السلاجقة أنفسهم؟ وكيف تعامل مع الإمارات المجاورة وهل يمكن عدها ثائرة أيضا لمجرد أنها عربية ضد عدو غريب وليس من جنسها العرقي؟أن آراءما اسماه المؤلف الكريم التي عرضها يمكن مناقشتها تحت عنوان من الضروري مناقشته وإبداء الرأي فيه الاوهو موضوع المعرفة التاريخية والايدولوجيا فإذا كان من الضروري للمناهج التاريخية الموجهة لتعليم التاريخ في مختلف مراحلها أن تتبنى فلسفة السلطة لغرس قيم مرغوبة لتلك السلطة في أذهان أولئك المتلقين فليس من الضروري تبني المبدأ نفسه لكاتب يكتب للعامة الذين لاتهمهم آراء موجهة توجيها ايدولوجيا قسريا بقدر ما يهمهم الوصول إلى أفكار أكثر نضجا وتفتحا على الآفاق المعرفية للموضوع,وهل يمكن البحث عن المعرفة خالصة في التاريخ وذلك احد المستحيلات الأربعة أو الخمسة في ظل مؤرخين قبلوا التدجين والمقولات الجاهزة دون نقاش .وكيف يمكن رؤية الموضوعان التاريخية وحوادثها بعين تكتشف فيها بعض الحقائق وليس جميعها ؟ويبدو أن القليل فقط من الكتابات كتبت بطريقة أو حاولت أن تكون متجردةواذا كان هناك هامش حرية نسبي فمن الضروري استغلاله لطرح الاراء العلمية غير الملتبسة ودون وضع اطر للاحداث لمجرد ان سلطة ما تبنت ذلك الطرح او التوجه ونبقى نحن نردده ونعود هنا ونتسائل هل ان ماقام به الامير صدقة ثورة؟بمعناها المعروف وهل كان ثائرا على سلطة سلجوقية ليحل محلها وهل كان يمتلك الامكانية لذلك ولاسباب اختلافه في الجنس عن السلاجقة أي هل كانت ثورته ذات بعد قومي امان ثورته ضد الخليفة العربي لاختلافه معه مذهبيا ام ان له طموحات في التوسع والسيطرة على الاراضي كاي زعيم قبلي؟دون ان نضع كلمة ثورة على تحركاته العسكرية.واذا كان ماقام به ثورة فما معنى قبوله الخلع من السلطان والخليفة وقيامه بتسديد مبالغ الضمان ام انه كان تمردا حاول فيه الامير استغلال الاوضاع السياسية لغرض عدم دفع مبالغ الضمان المتبقية في ذمته؟وكيف تعومل معه على انه صاحب ضمان وانه واهله كان حاميا لسورا وانحائها ولطريق الحاج ذو الاهمية الاستراتيجية وكيف تسنى له ان يعلنها صرخة مدوية في وجه الاستغلال ومصادرة الحريات والاستعباد وهل حقا ذلك ماكان يجول بخاطره ام هذه اوهامنا فقط؟فالالفاظ السابقة تبدو مستلة من كتب الثقافة القوميةورغم انه ليس عيبا ان نكتب في ذلك ولكن من الضروري ان يكون في بالنا ايصال معلومات مجدية ودقيقة لقرائنا.

يكتب المؤلف في ص12 عن كيفية خروج الإمارة المزيدية إلى الوجود في جنوب العراق فهل هناك نصوص كتبت في(خروجها)وكيفيته؟وكيف تظهر امارة ما الى الوجود ؟هل بزغت فجاة وكيف نثبت ان بني مزيد اتوا من الجنوب ؟ وهذا موضوع تكرر ذكره في مدونات عديدة منها البابليات للمرحوم محمد علي اليعقوبي.

عند كلامه عن الحويزة يقول ياقوت الحموي ان الحويزة ( موضع حازه دبيس بن عفيف الاسدي في ايام الطائع لله ونزل فيه بحلته(وهنا يمكن التركيز على اصطلاح الحلة)وبنى فيه ابنية وليس بدبيس بن مزيد الذي بنى الحلة بالجامعين ولكنه من بني اسد ايضا, وهذا الموضع بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح )معجم البلدان ج2 ص 326 والنص صريح في ان بني مزيد وبني دبيس رغم انهما فرعين تابعين لبني اسد الا ان من كان في الحويزة هو الفرع الاخر من بني اسد وهم بنو مزيد قاطنو النيل ومايجاورها من مايقلرب 350 هجرية حتى انشاء الحلة من قبلهم سنة 495 هجرية وحتى زوال امارتهم حوالي 558 هجرية لذا من الضروري عدم الخلط بين الفرعين فلكل فرع تاريخه وزعاماته ورجوعا لنص ياقوت فان خلافة الطائع كانت مابين 363 _381هجرية 974_991ميلادية ومن شبه المؤكد ان هنات صلات قرابة بينهم وتتشابه السماء عندهم حيث نجد اسم دبيس يتكرر في بني مزيد ايضا حيث حكم دبيس الاول الامارة المزيدية طويلا 408_477 هجرية وهناك ايضا دبيس الثاني ابن الامير صدقة بن منصور بندبيس بن علي بن مزيد الذي قتل زمن الخليفة المسترشد وكانت له جولات حربية كثيرة مع السلطة في بغداد . وقد سمعت ان هذا الاسم متداول لدى بني اسد في اهوار العراق الجنوبية (الجزائر) في العهد العثماني والان الجبايشحيث ان لرئيس بني اسد ثعبان الخيون ابنا يدعى دبيسا.لذا فلسنا نعرف على وجه التحديد المكان الذي اتى بني اسد منه وقد تكون قبائل بدوية استقرت في امكنة معينة بعد ازاحتها قوى اخرى كانت مستوطنة لتلك الامكنة ولكنها اضعف منها على طريقة البدو المعتادة في الغزو وليس مستبعدا ان بني اسد توزعوا في هذين الموضعين .ونحن نرى ان استقرار بني مزيد في النيل ومايجاورها استنادا الى النصوص التي تتحدث عن استعانة الوزير المهلبي وهو وزير معز الدولة البويهي بين 339_351هجرية وهي فترة 13سنة وثلاثة اشهر سلبقة للتاريخ الذي يذكره ياقوت لحلول بني دبيس في الحويزة فالنصوص تؤكد ان وجود بني مزيد في النيل سابق لوجود بني دبيس في الحويزة لذا لايمكن المزج بينهما باعتبارهما كيان واحد رغم ان قبيلتهما واحدة والصراعات اللاحقة بينهم ربما كانت صراعا على زعامة تلك القبيلة المهمة وقد احتدمت تلك الصراعات بين سنتي 402 و405 هجرية حيث كان هناك اخ لابي الحسن علي بن مزيد يدعى ابي الغنائم وكان صهرا لبني دبيس ويبدو انه يسكن هناك ولامر ما قتل احد وجوههم وهرب ملتحقا باخيه ابي الحسن الذي كان يقيم في النيل ,فحاولوا اللحاق به لكنهم لم يدركوه فانحدر لهم ابو الحسن علي بن مزيد (والانحدار هنا ربما تعني انه سار لهم عبر نهر في سفن) ومعه يعينه ثلاثون ديلميا والتقى بهم فاقتتلوا وقتل في المعركة اخوه ابو الغنائم وانهزم علي بن مزيد ولاتذكر المصادر سبب ذهابه لمحاربتهم رغم ان خيه هو الذي قتل منهموقد رثى الشريف المرتضا ابا الغنائم بقصيدة مطلعها

اذا لم تستطع للرزء دفعا     فصبرا للرزية واحتسابا

وقصيدة اخرى مطلعها

الاغاد دمع العين ان كنت غاديا        فلست الوم اليوم بعدك باكيا

ويمدح فيها علي بن مزيد

ولولا الذي ابقى لنا الله بعده       بمثوى علي لافتقدنا المعاليا

ويحدد فيها قبر ابي الغنائمقائلا

سقى الله قبرا حل غربي واسط ولا زال من نوء السماكين حاليا

(ديوان الشريف المرتضى ج1 ص40)

من هنا نرى ان الذي كان يقيم في الجزيرة الدبيسية هو ابو الغنائم وليس جميع المزيديين وماحدث من معارك بين الفرعين هو لاحق لاستقرار المزيديين وتكليفهم بحماية سورا وسوادها من قبل الوزير المهلبي .

وفي موضوع اعطاء ابو الحسن علي بن مزيد هو سند الدولة نجد تناقضا يظهره المؤلف بين شعارات طرحها باعتبارها حقائق تاريخية تتمثل بثورة المزيديين ضد الغزاة وبين قبول المزيديين بالالقاب التي تطلق عليهم والتي تعطيهم اعترافا رسميا وسطوة فعلية ورمزية لم تتح لقبائل معاصرة لهم ولها ذكر في التاريخ واحداثه كعبادة وخفاجة مثلا فاذا كانوا ثوارا ورافظين للتسلط الاجنبي فما معنى قبولهم للالقاب الرسمية اذا كانوا لايعترفون بتلك السلطات؟

(0) comments


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.
عامر الملالي