ليالي الشمال الحزينة
مذكرات
.
.

العشائرية.......مختارات الملا

مواقع التيار الديمقراطي عالم الفن عالم الادب  عالم الفكر ملف الدستور منتدى الحوار مقدمة
العدد الاخير   

أسباب وآثار انبعاث العشائرية في العراق

فاخر جاسم

احتـلت الظاهرة العشائـرية حيـزاً كبيـرا في الفكر السياسي العراقي، بشـقـيه السلطوي والمعارض، حيث لا تخلو أدبيات وإعلام الحركة السياسية من مفردة العشائرية، سلباً أو إيجاباً، حتى وصل الأمر، في بعض الأحيان، إلى إعطاء صبغة العشائرية لكل تحرك ضد النـظام(1). إن صعود النزعة العشائرية إلى مركز الصدارة في أعلام الأحزاب، في ظروفـنا الراهـنـة، يؤدي إلى نتائج مدمرة عند التعامل بها، أو بخصوص السبيل الذي يتخذه حسم الصراعات والخلافات داخل صفوف الأحزاب نفسها أو في تعاملها مع أفراد المجتمع، وتصبح نتائج تـفـشي هذه النزعة أكثر تدميراً عندما يمتلك هذا الحزب أو ذاك سلطة الدولة.

لقد ابتعد المجتمع العراقي وحركته السياسية عن الخطاب السياسي ذي السمة العشائرية بعد ثورة 14 تموز 1958 بسبب التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثـتها الثورة لاحقاً، لكن تنامي النزعة والروابط العشائرية حالياً، يؤشر إلى عمق الأزمة الشاملة التي يعيشها المجتمع العراقي بكل مؤسساته نتيجة الدمار الشامل الذي خلفته حروب الدكتاتورية واستمرار الحصار الاقتصادي. فانبعاث العشائرية يعتبر تراجعاً حضارياً سعت إليه السلطة الحاكمة وتجاوبت معه الحركة السياسية بدرجات متباينة.

 في هذه الدراسة، محاولة لتسليط الضوء على ازدهار العشائرية كمؤسسة اجتماعية في ظروفنا الراهنة، ارتباطاً بالنقاشات الدائرة في الوسط الثقافي والسياسي العراقي حول هذه الظاهرة (2)، آخذين بالاعتبار سعي القوى الوطنية العراقية لإقامة مجتمع ديمقراطي.

  إن دراسة الظاهرة العشائرية والقبلية واستمرار تأثيرها على المجتمع العراقي لم تلق الاهتمام الذي تستحقه من الباحثين. ولم تدرس بالعمق الذي يتناسب مع الدور الذي تلعبه في حياة وسلوك الفرد العراقي بغض النظر عن مستواه الثقافي ودرجة تحضره ومكانته الاجتماعية. ويعتبر العلامة علي الوردي أول من تناول هذه الظاهرة من منطلق سوسيولوجي علمي مشيراً إلى أنه بدون  دراسة التأثير المتبادل بين الحضارة والبداوة، بين العشائرية والتمدن، لا يمكن فهم طبيعة وشخصية الفرد العراقي. إن معرفة التأثير الكبير للوعي العشائري الذي يتعايش مع الوعي التمدّني الحديث وكذلك معرفة التناسب بين العادات والتقاليد والأعراف العشائرية وبين الفكر السياسي لمنظمات المجتمع المختلفة [الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية والنقابية والمهنية]، يساعد على معرفة الأسباب التي تؤدي إلى انتشار النزعة العشائرية بين آونة وأخرى. كما أن تحول النضال الاجتماعي من أشكاله الوطنية /السياسية والطبقية، وقيادته من قبل الأحزاب والحركات السياسية ذات الوعي الوطني، إلى صراع بين العشائر والطوائف، والانتقال من الوعي السياسي المعادي للدكتاتورية والاستبداد والهادف لإقامة مجتمع مؤسساتي {وعي وطني} إلى وعي عشائري {محلي}، يتطلب دراسة جذوره التاريخية، السياسية والاجتماعية. فمن هذه المنطلقات نحاول متابعة نشوء وتطور الروابط العشائرية عبر مراحلها المختلفة، متوقفين عند آثارها السلبية في ظروفنا المعاصرة.

أولاً : العشائرية من عام 1921 والمراحل التي مرت بها:ـ

عشية الاحتلال البريطاني للعراق أصيبت القوة السياسية والعسكرية لشيوخ العشائر بالضعف بسبب السياسة العثمانية تجاه القبائل وعشائرها في القرن الماضي. مع ذلك كان لرؤساء العشائر بالتعاون مع رجال الدين دور وطني ملحوظ في مقاومة الاحتلال البريطاني حيث كان الفلاحون، الجيش الأساسي لثورة العشرين الوطنية التحررية التي أجبرت المحتلين على التفكير بإقامة حكم أهلي بديلاً للاحتلال المباشر. وقد سعت سلطات الاحتلال إلى تعزيز نفوذ شيوخ العشائر رغبة منها في استعادة ولاء العشائر وشيوخها والحفاظ على الأمن بين أبناء العشائر وبين التحالفات العشائرية [باتباع سياسة فرق تسد المعروفة]، إضافة إلى المساعدة في جباية الضرائب من الفلاحين. وتهدف من وراء كل ذلك إلى خلق قاعدة اجتماعية مؤيدة لها، خاصة بين العشائر التي قاومت الاحتلال. فأصدرت قانون دعاوى العشائر في 1918 بهدف تقوية سلطات شيوخ العشائر القضائية، وقدمت تسهيلات اقتصادية فأعطت الحق لرؤساء العشائر بالاستيلاء على الأراضي التي كانت ملكاً للعشيرة. في ظل الانتداب، مارست سلطة الحكم الأهلي سياسة اقتصادية/اجتماعية تهدف إلى تحويل شيوخ العشائر إلى مالكين للأراضي الزراعية وإثرائهم على حساب أبناء عشائرهم، مما أدى إلى أضعاف مكانة الشيوخ وبالتالي أضعاف تأثيرهم الاجتماعي، وكانت نتيجة هذه السياسة:

أ/ تقدم علاقات الملكية على علاقات القربى والنسب، فأصبحت الملكية أساس الترتيب الاجتماعي والسلطوي وليس العشائرية.

ب/ تحول مالكي الأراضي {الشيوخ} إلى طبقة إقطاعية ترتبط بوشائج اقتصادية وسياسية مع أثرياء المدن وكبار موظفي الدولة السابقين.

أستمر تعزيز دور الشيوخ السياسي والاقتصادي فتم إعطاؤهم نسبة كبيرة (20%) من مجموع أعضاء أول برلمان عام 1925 (3). وحصلوا على إعفاءات ضريبية كبيرة نسبياً، ووزعت عليهم الأراضي التي تجسدت ملكيتها قانونياً بقانون تسوية حقوق الأراضي الأميرية (الممنوحة باللزمة والمفوضة بالطابو) الذي صدر في نهاية العشرينات وجرى تطبيقه عام 1932، حيث منحت الأراضي المملوكة للدولة لكبار الشيوخ وكبار الملاكين من أبناء المدن. لقد تنافست السلطة الملكية مع سلطة الانتداب لكسب تأييد العشائر، فكان الملك يسعى لتعزيز سلطته تجاه سلطة الانتداب. وكان يستخدم شيوخ العشائر وعلاقته بهم للضغط على سلطة الانتداب، أما سلطة الانتداب فقدمت المزيد من التسهيلات والدعم لشيوخ العشائر لجذبهم إلى جانبها(4). وفي حين تميزت فترة العشرينات والثلاثينات بقوة الدفع العشائري الذي تمثل بقدرة العشائر على إسقاط الحكومات من خلال التعاون بين العشائر والسياسيين التقليديين، فأن فترة الأربعينات وما بعدها شهدت زيادة تأثير سكان المدن في الحياة السياسية والاجتماعية(5)، الأمر الذي دلل على حدوث إصطفافات طبقية واجتماعية تمثلت في نمو الطبقة العاملة الذي ارتبط في البداية بحاجة  سلطات الاحتلال إلى إقامة بنية تحتية تخدم أهدافها [سكك الحديد، الموانئ، الطرق والجسور، خدمات أخرى] وازدياد عدد المتعلمين بسبب حاجة الدولة ومؤسساتها المختلفة، وزيادة سكان المدن نتيجة النزوح الكبير من الريف إليها بسبب الحياة القاسية وظلم الإقطاعيين. ومما أسرع في تعزيز دور المجتمع المدني ظهور الأحزاب السياسية، ونمو دور الضباط من أبناء الطبقة المتوسطة في الحياة السياسية بعد انقلاب بكر صدقي 1936 وحركة مايس 1941. ونتيجة للتغيرات الاجتماعية والفكرية التي رافقت نمو جماهير المدن ودورها السياسي، حصلت تطورات عديدة أهمها إضعاف الروابط التقليدية، وتقليص نفوذ التقاليد العشائرية، ونمو الوعي الوطني خاصة في المدن الكبيرة، إن كل ذلك أدى إلى تهديد نفوذ السلطة الملكية وقاعدتها الاجتماعية: الشيوخ والبرجوازية الكومبرادورية معاً، مما أدى إلى دفع السلطة إلى الاستعانة مرة أخرى بالعشائر وشيوخها لمواجهة تصاعد النشاط السياسي لجماهير المدن (6) الذي لقي التأييد والمساندة، في أحيان كثيرة، من الفلاحين.

ثانياً : ثورة 14 تموز وانحسار الروابط العشائرية:ـ

شهـدت الفـتـرة التي تـلـت ثورة 14 تموز 1958 ولغايـة انقلاب الردة في شـباط 1963 تفكك النظام العشائري المستند إلى علاقات الإنتاج الإقـطاعـيـة بعد تشريع قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 عام 1958، وإلغاء قانون دعاوى الـعـشـائـر، وترافـق ذلك مـع نزوح أعداد كبـيـرة من سكـان الريف إلى بـغـداد، البـصـرة، الموصل، إضافة إلى مراكـز المحافـظات الأخرى مما أدى إلى تغـيـيـر التركيـبة الاجتماعـيـة لصالح الطـبـقـات المديـنـيـة. لقد كانت ثورة 14 تموز والـنـظـام الذي أقامته محـاولة جـادة لخلق مجـتـمع قـائـم على مؤسسات سياسية واجتماعية بعيدة عن النفوذ العشائري، لكن الظروف التي رافقت مسيرة الثورة، خاصة الصراعات الاجتماعية والسـيـاسية الحـادة، ساهـمت في انبعاث تحالفات [خاصة في المؤسسة العسكرية] قائـمة على الولاءات المحلية والإقليمية، الأمر الذي أدى إلى انتعـاش العلاقـات العشائـرية خلال الفـتـرة التي تلت انقلاب شباط 1963. استـفادت السـلطـة بعد انـقـلاب تموز 1968 من النزعة الإقليمية وغلـفـتها بشعارات سـياسـيـة وأيديولوجـية بهدف تعزيز سيطرتها على الدولة ومؤسساتها الاجتماعية المخـتـلـفة. ولأول مـرة أصبح الولاء الإقليمي (المسيس في البداية) أساس النفوذ الاجتماعي والسياسي، وخلال تلك الفترة حدثت انتقالات وتغييرات ناجمة عن تفاقم الصراع داخل القمة الحاكمة، حيث جرى حسم الصراع عام 1973 لصالح مناطق ومدن معينة، مثل تكريت (7) التي تمتاز بقوة علاقاتها العشائرية مقارنة بأبناء المناطق الأخرى التي شاركت في الحكم بعد انقلاب تموز 1968.

ثالثاً: حروب الدكتاتورية وانبعاث المؤسسة العشائرية:ـ

بدأت السلطة خلال السبعينات في السيطرة التدريجية على كافة مؤسسات المجتمع، مبتدئة بالمنظمات الاجتماعية والمهنية والثقافية والقسم الأكبر من وسائل الأعلام. ثم حاولت السيطرة على الأحزاب السياسية والقسم المتبقي من الصحافة الحرة مستخدمة بذلك الترغيب والإرهاب(8). إن سيطرة الدولة وتوسع نشاطها في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أدى إلى نتيجة مزدوجة، فمن جهة أدى إلى تنامي الفئات الوسطى [قـدّر عدد موظفي الدولة بحوالي 600 ألف باستثناء أفراد الأجهزة العسكرية في بداية الثمانينات]، ومن جهة ثانية اعتماد الطبقة الوسطى، اقتصادياً، على الدولة، الأمر الذي أدى إلى ارتباطها بتوجهات السلطة وبالتالي توسع قاعدتها الاجتماعية التي كانت تتألف بالإضافة إلى فئات كبيرة من الطبقة الوسطى، من فئات تضم البرجوازية البيروقراطية وفئة طفيلية (أصحاب العقارات، السماسرة والمقاولون). وقد استفادت هذه الفئات كثيراً من التغير الذي حصل في توجه السلطة في بداية الثمانينات والذي استند إلى معايير الولاء السياسي والروابط العشائرية كأساس للإثراء. وترافق مع هذا التوجه تراجع دور الدولة في القطاع الزراعي، حيث دعمت إقامة مشاريع زراعية إنتاجية خاصة وأصدرت السلطة القانون رقم 35 لعام 1983، الذي سمح للشركات الأجنبية والقطاع الخاص باستثمار الأراضي الزراعية. في بداية التسعينات حدث تغير كبير في دور الدولة الاقتصادي بسبب الأزمة الشاملة التي أصابت المجتمع نتيجة حروب السلطة والحصار الاقتصادي، بحيث تقلص إلى حد كبير العائد المالي الذي تحصل عليه السلطة، مما أدى إلى حدوث حراك اجتماعي (نمو فئات على حساب فئات أخرى وتفتيت وانتقال من حالة إلى أخرى) وكان من أهم نتائج ذلك انحسار القاعدة الاجتماعية للسلطة الذي تمثل بما يلي:

  أ/ إفقار الفئات الوسطى وتهميش دورها الاجتماعي والسياسي وما نتج عنه من ابتعاد فئات واسعة منها عن السلطة الذي بدأ في منتصف الثمانينات بسبب الإفقار المتزايد وزجها بحروب الدكتاتورية، الداخلية والخارجية، وقد استمرت هذه العملية بالاتساع بعد حرب الخليج الثانية.

ب/ تـقـلص حجم البرجوازية البيروقراطية، المدنية والعسكرية، وتحول أعداد مـتـزايدة منها، إلى مجال السمسرة والتجارة وانـتـقـال أقـسـام منها إلى الفـئـات الوسطى.

ج/   الصراعات داخل الطغمة الحاكمة وما نتج عنها من توسع الإرهاب الذي شمل أقساماً من القوى المؤيدة للنظام.

إن هذه العوامل أدت إلى تمركز السلطة بيد العشيرة الحاكمة. لقد اشر هذا التمركز إلى تغييرات سريعة في مواقع العشائر المؤيدة للنظام. ففي البداية تحكمت عشائر معينة (9) خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية، من خلال السيطرة على المؤسسة العسكرية وتقاسم النفوذ الاقتصادي مع عشائر أخرى، مؤيدة للنظام. ونتيجة لتفاقم الصراع داخل الطغمة الحاكمة أزيحت عشائر كان لها دور مشهود في حسم الصراع في المجتمع، الذي احتدم لدرجة كبيرة بسبب الهزيمة القاسية بعد حرب الخليج الثانية 1991، لصالح استمرار سيطرة الطغمة الدكتاتورية على مقاليد السلطة بعد الانتفاضة الشعبية الواسعة في آذار 1991، حيث لعبت العشائرية الممزوجة بالطائفية دوراً كبيراً بهذا المجال(10).

إن حروب الدكتاتورية ونتائجها (استمرار الحصار الاقتصادي، انكماش أجهزة الدولة، خاصة الجيش والأجهزة الأخرى وكذلك الحزب الحاكم) أجبرت السلطة على البحث عن وسائل للمحافظة على ما تبقى من نفوذها، خاصة في الوسط والجنوب، فتوجهت لاستخدام العشائرية وقيمها وأعرافها مرة أخرى (11) لتكون السند الأساسي لسلطة العشيرة، بعد أن تقلصت قاعدتها الاجتماعية، ووسيلة لتصريف الأزمة في قمة السلطة، لذلك لجأت إلى تنشيط دور عدد كبير من الشيوخ، أو تنصيب شيوخ مزعومين، من خلال إحيائها قانون دعاوى العشائر، وأعطت الشيوخ سلطات قضائية عبر جعل الأعراف العشائرية أساساً لحل المنازعات بين أفراد العشيرة أو بيوت العشائر، بدلاً من قوانين الدولة ذات الطابع الوطني، كالقوانين الجزائية، والقانون المدني والتجاري وغيرها. وعملت السلطة كذلك على زيادة نفوذ الشيوخ الاقتصادي وذلك بإعطائهم أراضٍ زراعية ومكائن ومعدات مملوكة للدولة، وبيعهم أو مشاركتهم في تملك المشاريع الزراعية الإنتاجية (مؤسسات الدواجن، والإنتاج الحيـواني والمزارع الحكومية). إن مساعي السلطة الهادفة إلى انبعاث المؤسسة العشائرية على نطاق المجتمع، ارتبط بعوامل عديدة منها:

1ـ ضعف سلطة الدولة وضياع الأمن الاقتصادي والاجتماعي، فالدولة غير قادرة على حماية المواطن من الناحية الاجتماعية، الاقتصادية، الحقوقية، القانونية والأمنية.

2ـ تهميش دور الروابط الطبقية والاجتماعية بسبب انخفاض دور الإنتاج المادي في الحياة الاقتصادية وما نتج عنه من تفكك البنية الاجتماعية [تهميش الطبقة الوسطى، ضعف البرجوازية، فضلاً عن تهميش طبقة الكادحين] بحيث أصبح المجتمع العراقي ينقسم إلى فئة غنية {تجار سماسرة ، أصحاب عقارات} وأكثرية فقيرة معدمة.

3ـ ضعف العامل السـيـاسي في المجتمع بسبب انعدام فعالية الأحزاب السياسية، الحاكمة والـمعارضـة، إضافـة إلى فـقـدان منظمات المجتمع المدني الأخرى (النقابات، الاتحادات المهنية والاجتماعية) لدورها في تعزيز الروابط الاجتماعية.

4ـ فقدان الـثـقـة بالدولة ومؤسسات المجتمع الأخرى وتـفـشـي حالة الخوف والاضطراب في عموم المجتمع، الأمر الذي دفع المواطن إلى الاحتماء بأشكال سلفية من التنظيم الاجتماعي.

رابـعـاً: المـؤسـسة العـشائـرية وسـماتها الجديدة:ـ

إن سمات الـظـاهـرة العـشـائـرية التي انتشرت في المجتمع في الآونة الأخيرة تختلف من حيث التركيـبة والأهداف عن الأشكال السابقة {للعشائرية} والتي كانت تتألف، في الغالب، من طبقتي الفلاحين والعمال الذين لا توجد فروق كبيرة بينهم من حيث الثروة والوعي. أما الالتحام العشائري الجديد فهو يضم إضافة إلى [الفلاحين والعمال والحرفيين والكسبة] محامين، أطباء، أصحاب شهادات عليا وأساتذة جامعة، ضباط الجيش، ومثقفين ذوي مهن مختلفة. إن تشكيلات كهذه، على الرغم من اعتبارها أداة للتضامن ضد إرهاب السلطة وملجأ لتوفير الحماية الشخصية، إلا أنها في الوقت نفسه تبرز فئات معينة تعمل على إخضاع هذا التجمع لأهداف خاصة ومصالح سياسية في الغالب. وإن الخطورة تكمن في تسيس الشكل العشائري الجديد واستخدامه وسيلة لتحقيق السيطرة الاجتماعية. وهذا ما تسعى إليه، أيضاً، المجموعات العشائرية التي انسلخت عن النظام، وهي وإن انتـقلت إلى مواقع القوى التي تعارضه، فهي لم تخرج عن دائرة السلطة بدافع الاختلاف الكلي مع توجهاتها وسياساتها بل بسبب سعي الحكم لمركزة السلطة بيد عشيرة واحدة أو مجموعة أسر منها، أو تنافس بين المجموعات التي تمتلك القرار وتتحكم بمقدرات المجتمع. يضاف إلى أن هذه المجموعات لا تحركها دوافع تتعلق بإدراكها  لضرورة التخلص من النظام القائم ومؤسساته بل تحركها، على الأغلب، طموحات ونزعات ذاتية تهدف لأن تكون بديلاً للمجموعة العشائرية المسيطرة على قمة السلطة، وفي حالة عجزها عن تحقيق ذلك، فإنها تحاول إعادة تأكيد دورها لتجبر السلطة على إشراكها مجدداً في اتخاذ القرار. وهذه العشائر استفادت من توجهات النظام وسياساته وكانت سنده الرئيسي خلال فترة طويلة. أما العشائر التي تعرضت للتمييز فتركيبتها متباينة. فهناك فرق بين شيوخ العشائر وأبناء العشائر، الذين هم أكثر تضرراً من سياسة النظام وحروبه، مع ملاحظة أن رؤساء العشائر يبقون مركز تجاذب بين السلطة والمعارضة، يضاف إلى هذا إنهم أكثر ميلاً إلى القوى التي تحاول فرض سيطرتها، السياسية والفكرية، على المجتمع حتى في المرحلة الراهنة.

المؤسسة العشائرية ومخاطرها في الظروف الراهنة

فتحت التطورات السياسية والاجتماعية، التي أعقبت سقوط الدكتاتورية، آفاقاً واسعة للعمل السياسي والاجتماعي والمهني، حيث عادت الكثير من الأحزاب والقوى السياسية التاريخية لممارسة نشاطها العلني. كذلك ظهرت العشرات من الأحزاب والمنظمات النقابية والمهنية.، إلى جانب عدد كبير من الصحف والمجلات. كما بدأت تنشط المؤسسات التقليدية كالعشائرية والطائفية والقومية.

نحاول عبر هذه الدراسة القاء بعض الأضواء على أسباب انبعاث المؤسسة العشائرية وتزايد دورها السياسي والاجتماعي خلال الربع الأخير من القرن الماضي، ونتابع دورها في الظروف التي تلت زوال الدكتاتورية والمخاطر التي تنتج عن دخول المؤسسة العشائرية  المعترك السياسي. فكما هو معروف تآكلت البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمع خلال العقد الاخير من القرن العشرين نتيجة الحصار الدولي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على العراق بعد غزو النظام الدكتاتوري للكويت 1990. وقد ساهمت  السياسة الاستبدادية لطغمة صدام حسين في تعميق النتائج السلبية للحصار على البنية السياسية والاجتماعية، حيث تم الحد من تأثير الاحزاب الوطنية. كما أدت إلى تغييرات كبيرة في البنية الاجتماعية تمثلت بتلاشي الفوارق الطبقية في المجتمع وبالتالي انقسامه إلى أغلبية فقيرة معدمة واقلية غنية.  وبسبب انحسارالقاعدة الاجتماعية للدكتاتورية، عملت على أحياء المؤسسات الاجتماعية التقليدية ، كالمؤسسة العشائرية والطائفية،  لتكون سنداً لها في صراعها ضد الأحزاب والقوى الوطنية المعارضة لنهجها الاستبدادي.

لقد لعبت عوامل عديدة في بروز الدور السياسي للعشائرية في الظروف الراهنة ، سأحاول تأشير أبرزها بالنقاط التالية:

 1ـ لقد تم سقوط الدكتاتورية نتيجة حرب خارجية شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وبمساهمة محدودة من قوى المجتمع المدني، ونتيجة لذلك تم الحد من قدرة منظمات المجتمع المدني ، خاصة الأحزاب السياسية، من القيام بدور فاعل بعد انهيار الدكتاتورية، الأمر الذي سمح للمؤسسات التقليدية ومنها العشائرية بتعزيز دورها السياسي والاجتماعي.

2ـ استفادة المؤسسة العشائرية من الامكانات، والتي جرت الاشارة اليها في العرض السابق، التي توفرت لها في ظل الدكتاتورية البائدة.

3ـ سياسة المناورة  التي انتهجتها سلطة الاحتلال مع الأحزاب والقوى السياسية، حيث عملت على اضعاف وحدتها وتهميش دورها السياسي من خلال مساعيها للمساومة مع  المؤسسة العشائرية وتقديم المكاسب السياسية لها عبر اعطاءها دورا كبيراً في مؤسسات السلطة التي كونتها بعد سقوط الدكتاتورية. إن الهدف من هذه السياسة كسب قاعدة اجتماعية ترتبط بسلطة الاحتلال ومشاريعها اللاحقة في العراق.

4ـ استمرار حالة الفوضى في مؤسسات الدولة وعدم الاستقرار الامني أديا إلى  تغير طبيعة التحالفات السياسية، حيث اتجهت القوى السياسية الجديدة والتي لا تملك تاريخاً سياسياً أو قاعدة اجتماعية واسعة ، إلى عقد تحالفات سياسية مع أطراف المؤسسة العشائرية.

5ـ أبدت المؤسسة العشائرية فعالية سياسية نشطة بعد سقوط الدكتاتورية، حيث استطاعت تنظيم نفسها، عبر العديد من التجمعات والتحالفات، الأمر الذي ساعدها للقيام بالعديد من المبادرات السياسية والجماهيرية مستفيدة من دعم سلطات الاحتلال لها وضعف تحرك الأحزاب السياسية.

ونتيجة لتزايد الدور السياسي والاجتماعي للمؤسسة العشائرية، في الظروف الراهنة، تبرز العديد من المخاطر، السياسية والاجتماعية، نشير إلى أهمها بشكل مكثف بما يلي:ـ

ـ اعاقة تأسيس مؤسسات المجتمع المدني ـ الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والاجتماعية ـ

ـ تشويه العمل السياسي، عبر  " تعشيره".

ـ تعرقل إعادة تكوين وعي وطني يقوم على مفهوم المواطنة الواحدة ، من خلال سعيها إلى تجزئة الوعي الوطني إلى وعي فئوي يعبر عن مصالح ضيقة ـ عشائرية ، طائفية ، قومية واقليمية.

ـ بسبب طبيعتها الاجتماعية وأهدافها السياسية، تميل إلى عقد مساومات مع سلطات الاحتلال  يمكن أن تساهم في دعم المشاريع  اللاحقة للسلطة، الأمر الذي يعرقل مساعي القوى والأحزاب الوطنية الهادفة للتخلص من الاحتلال وعودة السيادة الوطنية بأسرع وقت ممكن.

خلاصة القول إن العشائرية وسماتها الجديدة هي أداة لتفتيت المجتمع والعودة به إلى عصر القبائل المتناحرة. وعلى ضوء طبيعة هذه الظاهرة العشائرية والأخطار التي تمثلها على سعي القوى السياسية الديمقراطية لإقامة مجتمع معاصر قائم على مؤسسات اجتماعية وسياسية واضحة المعالم والحدود، هناك بعض المعايير التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار عند التعامل مع هذه الظاهرة:

1ـ إن الأسباب والدوافع وراء تفشي هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، متباينة إلى حد كبير سواء عند الأفراد أو السلطة.

2ـ إن الظروف التي أدت إلى الحاجة لبعث العشائرية، بالشكل الذي نشهده الآن، هي ظروف مؤقتة مرتبطة بشكل أساسي بسياسة السلطة المترافقة مع النتائج التي يسببها الحراك السياسي، تلك النتائج التي أدت إلى تهميش دور الإنتاج المادي في الدورة الاقتصادية. وهذه سرعان ما تتضاءل حين يتحسن الإنتاج هذا. إن ذلك لا يتم بدون عودة الحياة الاقتصادية إلى حالتها الطبيعية، مما يـفتـح الآفاق لتـنـشيط العمل الجماهيري لردم التناقض بين الوعي السياسي ذي السمة الوطنية والوعي العشائري المرتكز على رابطة الدم والقربى.

3ـ إن الحد من ظاهرة العشائرية يتم من خلال توعية المجتمع بالمخاطر التي تحدثها، والتي تشكل حجر عثرة أمام الطريق لبناء مجتمع مدني ديمقراطي، وكذلك العمل على فضح الأهداف الدنيئة للنظام السابق والتي تقوم أساسا على تمزيق وحدة المجتمع من خلال تشجيع النزاعات فيه. إن التخلي عن هذه المهمة يعني الابتعاد عن المساهمة في بلورة وعي اجتماعي يتجاوز الآثار التخريبية التي سببتها الدكتاتورية بترويجها لأشكال متخلفة للتنظيم الاجتماعي.

ختاماً لابد من التأكيد على ضرورة التخلي عن الأوهام النابعة من إمكانية الاسـتـفـادة من بـعـض أشكال الوعي الاجتماعي التي فات أوانها (كالعشائرية والطائفية) التي تجاوزها تطور البنية الاجتماعية والتقدم الحضاري، حيث إن العشائرية كالطائفية لا يمكن أن تحل أزمة المجتمع العراقي الراهنة، فإنها وأن ساهمت في النضال المعادي للدكتاتورية، فإنها تحول الصراع في المجتمع إلى صراع عشائري، الأمر الذي يسبب مزيداً من التفتت والويلات(12).

 

الهوامش

(1) وصف تحرك جماهير الأنبار والقوات المسلحة في العام 1996 ، بأنه تحرك عشائري، كذلك وصفت النشاطات المضادة للنظام التي قامت بها مجموعات من الجيش وكأنها تحركات لعشائر الجبور والعبيد.

(2) أنظروثائق المؤتمر الوطني السادس للحزب الشيوعي العراقي، المنعقد في عام 1997، فقرة  "العشائرية والموقف منها " ص 23-24، منشورات طريق الشعب، أيار 1998.

(3) حنا بطاطو، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ج1 ص130.

(4) كانت مبادرة إصدار قانون تسوية الأراضي الأميرية باقتراح من أحد رجالات الانتداب، الخبير داوسن.

(5) أصبحت جماهير المدن قادرة على إسقاط الحكومات، بعد النصف الثاني من عقد الأربعينات حيث لعبت دوراً أساسيا في الانتفاضات في كانون 1948، تشرين 1952، وخريف 1956. إن ذلك لا يعني عدم وجود جذور عشائرية بين سكان المدن تظهر في سلوكهم بين آونة وأخرى.

(6) حنا بطاطو ، الصفحات 130، 388 ـ 390. حيث نلاحظ زيادة تمثيل الأغوات وشيوخ العشائر في البرلمان العراقي إلى أكثر من الثلث خلال الفترة منذ منتصف الأربعينات حتى ثورة تموز 1958 : عام 1947 33%، عام 1954 38% وعام 1958 40% من مجموع أعضاء البرلمان العراقي. كما استحوذ الأغوات والشيوخ على 37% من الإدارة العليا لحزب الاتحاد الدستوري، حزب نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك الذي تأسس عام 1949.

(7)  بعد المحاولة الفاشلة لناظم كزار، للسيطرة على السلطة، صيف 1973.

(8) إن سعي الدولة العراقية، خاصة بعد ثورة تموز، إلى المركزية الشديدة والتدخل المطلق والمباشر في كافة أوجه نشاط المجتمع ـ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ـ ساهم في  إضعاف الأجزاء الفعالة من البنية الاجتماعية ـ الأحزاب والمنظمات الاجتماعية والمهنية ـ الأمر الذي أدى إلى عدم إزاحة الدكتاتورية عن السلطة بعد هزيمتها في حرب الخليج الثانية.

(9 ) يمكن الإشـارة هـنـا إلى تحكم عـشائـر أعالي دجلـة ( الجبور والعبيد ) ومناطق الأنبار.

(10)  من الأمثلة البارزة تجنيد عشائر الجبور لآلاف المتطوعين للمساهمة في قمع انتفاضة آذار 1991 في الوسط والجنوب. كذلك لعب موقف عشائر البوعلوان دوراً مهما في إسناد السلطة، حيث منعت المنتفضين من الزحف على بغداد عن طريق المحاويل ( أنظر جريدة طريق الشعب عددي آذار ونيسان 1998 ).

(11)  استخدمت السلطة العشائرية، أثناء الحرب العراقيةـ الإيرانية، لتحييد العامل الطائفي وحققت نجاحاً ملحوظاً للمحافظة على تماسك الجيش، على الرغم من محاولات إيران المستمرة استغلال الطائفية بهدف كسب تعاطف الأغلبية الشيعية في القوات المسلحة لصالحها.

(12) على الرغم من الدور الذي لعبته العشائر الكردية في نضال الشعب الكردي لنيل حقوقه ، فإن النزعة العشائرية في التنظيمات السياسية والاجتماعية وقياداتها أثرت سلباً، وأدت إلى عرقلة بناء مؤسسات مدنية ديمقراطية، كما أنها أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الإحتراب في كردستان.

 

 

الثقافة الجديدة

فكر علمي   ثقافة تقدمية     تاسست عام 1953

رئيس التحرير_رائد فهمي 

تصدر في بغداد    -شارع ابي نؤاس

المواد المنشورة تعبر عن أراء اصحابها

ترجو هيئة التحرير  الأخوة المساهمين في المجلة مراعاة ما يلي في ما يرسلون للنشر

أن تكون المقالة مستوفية لشروط النشر من حيث وضوح التعبير وسلامة اللغة. 

يفضل أن تكون المادة مطبوعة على الكومبيوتر ومرسلة عبر البريد الإلكتروني. أما المكتوبة باليد فنرجو إرسال نسختها الأصلية.

ألا يتجاوز حجم المادة 4000 كلمة.

لا تعاد المادة غير المرشحة للنشر، وتتولى المجلة إعلام صاحبها بذلك.

بالنسبة للمادة المرسلة عبر البريد الإلكتروني، تلتزم المجلة بإعلام كاتبها عن صلاحيتها للنشر وذلك خلال  شهر واحد من تاريخ وصولها. 

للمجلة حق إعداد أو اختصار التعقيبات التي تردها.

 

البريد        

 

(0) comments


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.
عامر الملالي