ليالي الشمال الحزينة
مذكرات
.
.

سورا

  سورا

الى طاووس سورا الاجمل كريم حميد

خوان الرطب الممتد،طبيعة المزاج المائي المتقلب، حدود الجا السومرية،شمال اللعد الأزلية،قبل أن يتغلب عليها الكهنة،أغنية الماء حين يغلب على كيمياء الجنون الجنوبي ولغة الحبات النازلة من الروح واليها تجاه الصفرة الغربية بصلالها وعقاربها، أغنية التبليات الدائرية التي تتسلق رويدا زقورات الكهنة السمر،والكاهنات اللواتي يحملن أحجار الحكمة، أدوية العشق،زبرجد ازرق للعيون الحاسدة الواسعة،تراه دموع الأمهات تجمعت واللائي فقدن أبنائهن في حروب مستمرة منذ أن جرى أول جدول باتجاهه هذا النهر؟،كان النخل قد بدا بالطلوع ككائن غريب لم يكتشف أحفاد ادم ثماره إلا عن طريق الصدفة،ساقية الحزن السوراوي تنتج تمرا مرا،ورملا اسودا يجرح الجفون،سورا دمعة  عاشقة واحدة تجعل الصيهود الذي يضرب الروافد كافيا لكي يفيض النرس والزابيان دورا وهيمينية تجعل سمراوات جنبلاء يملان قربهن ماءا زلالا وكاهنات نفرامنا لضمان رواء رعيتهن،وساحرات بسمى وأوروك مزيدا من الإلهام لاستمرار ألاعيبهن النبوئية ،عندما تجرح المواويل جسد النهر يخرج دما اخضرا من سعف نخيل نشو وعيط،ودما اصفرا من رطب ضياع خطرنيه قبل أن ينضج،دموع نساءه العاشقات وخلاص شهواتهن السرية يستخلصنه من ماء سري يمر خلل وسط النهر في الليالي المقمرة في وقت اقتران النجم اللامع بالقمر سين يذهبن سراعا لتكتب عجائزهن الخبيرات وصفاتهن العجيبة في أفضل زمن للحب واستحصال النشوة  أو للاقتران لإنجاب أطفال خارقين أو لحظات إنجاب الأولاد الشعراء أو البنات اللواتي يحملن على اكتافهن ضفائر   شقر وعيون خضرا واسعة،عندما رأى البدو المترحلين سورا لأول مرة دهشوا لوفرة مياهه وسرعة تدفقها سلوا سيوفهم أمام عنفوانه،وحسبه البعض منهم أفعى تتلوى وهو يلتمع تحت أشعة الشمس،وعندما ذاقوا تمر عذوقه رجعت ذاكرتهم إلى أول ليلة ذاقوا بها طعم النساء فانتشوا وابتكروا العتابا،لايعلم علماء الانثروبولوجيا منذ ذلك الحين هل أصبح النبط السوراويون بدوا أم أن البدو أصبحوا نبطا وحاولت أكاديميات جنبلاء حل لغز تداخل العادات السورراوية الأصيلة مع عادات البدو الفجة القاحلة،ويكادون يعثرون الآن  على خيط علة ذهاب راشد الحسين وحمزة العبادي إلى قرب عرق الرمل الشاسع( الذرو)  قرب مقام الإمام المقدس  لجلب الرمل على حميرهم وعندما اكتشف راشد سقوط رمل من جوالق  حمزة العبادي المثقوبة اشر له كثيرا لكي ينتبه لما وقع فيه دون جدوى حيث كان الكلام يبطل الوصفة السرية التي يتم بها إبعاد الجراد من مزروعاتهم الصيفية وعندما انتبه حمزة لما كان يسقط منه وان مايحمله يكاد ينفد صاح لاطما رأسه أنا اخو فطومة مما اضطرهما للرجوع فراسخ عدة ليعيدوا ملا جوالقهم من جديد.   .وحين حاول ابن وحشية الكسداني حل الغاز الزروع المتعثرة،والسمسم الذي لايحمل ثمارا،والحنطة التي تحمل دودا بسبب أدعية سرية يلقيها الكهنة على زروع  الذين لايسددون مابذمتهم من رسوم في أمسيات الخريف الراعدة والنخيل الذي تذوي ثماره أو لايتم تلقيحه ليبقى اصفرا وصغيرا دون نضج ودون سبب بين،اخترع وصفته السحرية ضمنها كتابه الذي ألف بعضه وترجم الآخر من كتب نبطية عتيقة، في اشفاء النخلة التي فسر ذبولها بداء العشق لنخلة تقابلها، لم يسمع احد من قبل بعشق النخيل في سورا، وابتكر دواؤه العجيب في لف خرقة على النخلة العاشقة بعد غمسها بماء وجعلها تركن إلى جذع النخلة المعشوقة لتشفى ويعود عهد إثمارها إلى ماكانت عليه،الشفلح البري الذي تشبه ثماره أعضاء النساء الخبيئة ثمر سوراوي بامتياز يتأمله العشاق المحرومون من كل ماانعم على  النساء بدهشة وحبور،سورا اكتشاف كوني ليس لإنه أطول الأنهار بل لبداه فض أول عذرية لسهل بعد تعثر الزراعة البعلية أمام اضطراب الكهنة وادعاءهم كل واحد أمام الآخر علو كعب آلهته ودنو منزلة الآخر فاضطربت الآلهة وحبست المطر من السقوط على هضاب آشور الممتدة ،فانتقلت نعمها إلى سهول الجنوب ،ليس سهلا وصف ليلة افتضاض سورا للسهل سهل شنعار الفسيح،كان الزرع مشاعا ولم تكن المعابد قد رسخت سلطتها،ولا الملوك الذين كانوا مجرد رجال يقفون خلف محاريثهم ليحرثوا أرضا لم تنبت فيها بذرة بعد ومن البذور التي حفظت بعضها نساء والبعض الآخر حملته الرياح المجنونة في خريف عار،نبتت شجيرات بثمار بالغة الكبر بدأت تصغر بعد حين وبدأت أجساد الرجال تقصر رويدا حتى تنبأت المرأة القصيرة ذات الاحديداب العجيب أن يوما سيأتي يقف الرجل فيه إلى جانب نبتة العاقول البرية ويقول لها ياعيطة أين اهلك،في الهلاك المستمر والنقصان المتتالي،كانت الأرض تستمر في الدوران كل يوم تحاول الوصول إلى مصيرها المقدر المحتوم في الولوج داخل جهنم المجرة الواسعة..السوراويون مبتكرو النواح والجوبي مدونو الوصفات السرية للعشق صاعدو النخل ومبتكرو المشي إلى سماوات زرق،متذوقو تمر الوجع ونايات الوداع،وابتكر هوميا الجرمقاني الفلاحة وأرسى أسرارها المتينة وقال أن الزيتون يرعاه الهه زحل واقترح أن توضع ثمارها التي تحملها بعد سبح في أصلها لتتشابك أوراقها واقترح تعليق مقدار من الحديد لايهم حجمه عليها ليدفع عنها مقادير غير  محسوبة ثم أخذت الجدات السوراويات الفكرة ليضعن سكاكين صغيرة عند المواليد الصغار لحمايتهم من الجن الذي يجوس خلال البيوت.زرعوا الكروم وأجادوا ورفعوا براعمها الصغيرة من الأرض وحملوه كما يحملون رضيعا ولد للتو وضربوا زيتونهم الذي لايحمل الثمر ،يعرف الزيتون لغة السوراوي ويطيع أمره،يضرب السوراوي الشجرة بمسحاته وبكلاليب حديد يحملها، مرات متتابعة، و يقول لها مهددا  أني سأقلعك عن مكانك و أجعلك حطبا أن لم تحملين، و يكرر هذا الكلام مرارا فترتعد فرقا وتحمل في الموسم المقبل،يحملون سكاكينهم آلاتهم الحادة راكضين باتجاه النخلة المتكاسلة فيرون فعل ذلك،بثمر ورطب وفير.نصحوا أولادهم أن لايمس الشجر من يكون نجسا أجنب أو مس ميتا وكذا من حاضت من النساء وأعلنوا أن من يأكل من ثمر ذلك الشجر الممسوس بنجاسة ربما قتل آكله أو ينفث فيه ريح الجنون.

قبل أن تبتكر كاهنات نفر تعويذات النسيان للفاقدات أبنائهن في حروب الملوك المستمرة بتحريض من الكهنة كانت الأمهات يذهبن في لظى صيوف لاهبة على مقتربات رمل الأنهر يبحثن عن آثار أقدام أبنائهن على الرمل لم تكن لهم فقد ذهبوا من زمن بعيد لكنهن يتشبثن بذكرى شبه قديم بأقدامهم،ليبتكرن النواح كانت الدللول إحدى إبداعاتهن الباقية ابد الدهر كانت ترنيمة أطول وأبهى لكنها اختزلت لتضاف إليها مقاطع من لغات الفاتحين الجدد.

 

 

سيل من تواريخ خرافية تربطها خيوط قصص الجدات الملونة بالوان التمر المتدرجة من الأحمر القاني إلى الأصفر مرورا بأخضر الشباب،تطرزها صور نخيل وخناجر مفضضة،ارض صفراء ليس بعيدا صفراء حتى رمق الذبول ،أي عذار يتفوق على عذار سورا الحياة ،وابتسامات العذارى يملن في  مساءات تشرين مع النسيم الذي يلامس سطح النهر شفيفا وهن يحملن عباءات المحاصيل إلى فناءات الأهل،مالذي يسود جنبات النهر سوى خضرة سعف النخل يسير غير بعيد عن ساقيه أي ساق سخي غير متأفف،سوى سورا يكون؟ لاتبتعد بعيدا عنه والسدر أيضا بثماره المدورة ،أي ابن دهر عتيق هو وكم زحف من مكانه يهرب من ملل الاستقرار لكن ليس بعيد عدا هربه الجنوني منذ أكثر قليلا من مئة عام ،لا أظنه هرب إلا من ضجر التكرار لا بخلا بمائه،أو انه في لحظة غضب على أبنائه أراد تبني أولادا أخر.

(0) comments

ذكريات عن عاهراتي الحزينات جابرييل جارثيا ماركيز ترجمة: د. طلعت شاهين

(ما كان يجب عليك أن تفعل شيئا منافيا للذوق، حذرت العجوز ايجوشي سيدة الخان. ما كان يجب عليك أن تضع إصبعك في فم المرأة النائمة أو تفعل شيئا مشابها)
ياسوناري كواباتا
'بيت الجميلات النائمات'

- 1 -

جابرييل جارثيا ماركيزعندما أكملت التسعين من عمري أردت أن أهدي نفسي ليلة حب مجنونة مع مراهقة عذراء. تذكرت روسا كاباركاس، صاحبة بيت سري اعتادت علي الاتصال بالزبائن المميزين عندما يكون لديها شيء جديد. لم أجذعن أبدا لها ولا لأي من العروض المغرية الكثيرة، لكنها لم تكن تصدق نقاء مبادئي. أيضا من الطبيعي التفكير في موضوع الزمن، كانت تقول، بابتسامة خبيثة، سنري. كانت أصغر قليلا مني، فقدت الاتصال بها منذ سنوات عدة لدرجة أنني فكرت أنها ربما تكون قد ماتت. ولكن مع رنة الجرس الأولي تعرفت علي صوتِها في التليفون، وقلت لها مباشرة وبلا مقدمات:
اليوم نعم.
تنهدت هي: آي، يا حكيمي الحزين، تختفي عشرين عاما وتعود فقط لتطلب المستحيل. ثم عادت علي الفور إلي السيطرة علي طريقتها في التعامل وعرضت نصف دستة من البدائل اللذيذة، لكنها كلها مستخدمة من قبل. أصررت علي الرفض، وأنه يجب أن تكون مراهقة ولهذه الليلة نفسها. سألت هي منزعجة: ما الذي تريد أن تجربه؟. بشعوري بالمهانة في المنطقة المؤلمة، كنت أعرف ما الذي أستطيعه والذي لا أستطيعه. قالت هي بلا إحساس أن الحكماء يعرفون كل شيء، لكن ليس كل شيء: العذراوات الباقيات في العالم حضراتكم من هم في صيف العمر. لماذا لم تكلفني بذلك قبلها بوقت كافي؟، قلت لها: الإلهام يأتي فجأة. قالت هي: لكن ربما ينتظر. هي كانت دائما تعرف أكثر من أي رجل، وطلبت مني مهلة ولو ليومين حتى تتقصي أوضاع السوق. أجبتها بجدية بأنه في تجارة مثل تلك، لرجل في عمري، كل ساعة تساوي سنة. قالت هي دون أدني تردد: إذن لا يمكن، لكن لا يهم، بهذه الطريقة يكون الأمر أكثر إثارة، اللعنة، سأتصل بك خلال ساعة.
لا يجب عليٌ أن أقوله: لأنه يميزني عن بعد عدة أميال: أنا قبيح، وخجول وأعيش خارج الزمن. لكني حتى لا أبدو كذلك فقد بذلت جهدا لإبداء عكس ذلك. وحتى شمس اليوم، الذي قررت فيه أن أحكي عن نفسي بقناعة شخصية، وإنْ كان ذلك لمجرد التخفيف عن ضميري. لقد بدأت بهذه المكالمة التليفونية الغريبة مع روسا كاباركاس: لأنه بالنظر إليها منذ اليوم، فقد كانت تلك بداية حياة جديدة يكون فيها معظم البشر قد ماتوا.
أعيش في بيت كولونيالي علي طوار الشمس لحديقة سان نيكولاس العامة، حيث أمضيت كل أيام حياتي بلا زوجة ولا مال، وحيث عاش ومات أبواي، وحيث قررت أن أموت أنا وحيدا، في السرير نفسه الذي ولدت فيه، وفي يوم أرجو ألا يكون بعيدا وبلا ألم. اشتراه أبي في مزاد علني مع نهاية القرن التاسع عشر، أجٌر الطابق الأرضي المخصص لحوانيت فاخرة إلي شركة يملكها إيطاليون، واحتفظ بالطابق الثاني ليعيش سعيدا مع ابنة أحد هؤلاء الإيطاليين. فلورينا دي ديوس كارجامانتوس، عازفة معروفة لموسيقي موتسارت، وتجيد عدة لغات، كانت أجمل وأفضل امرأة موهوبة في المدينة: إنها أمي.
البيت واسع ومضيء، بأقواس من المصيص وأرضية من الموزاييك الشطرنجي الفلورنسي، وأربعة أبواب زجاجية علي شرفة ممتدة كانت تجلس فيها أمي في ليالي مارس لتغني أغاني حب بصحبة بنات أعمامها الإيطاليات. من هناك يمكن رؤية حديقة سان نيكولاس العامة والكاتدرائية وتمثال كولومبوس، ومن خلالها تبدو مخازن الميناء النهري والأفق الواسع لنهر ماجدالينا الكبير علي بعدين عشرين ميلا من مصبه. أسوأ ما في البيت أن الشمس تتنقل من نافذة إلي أخري طوال اليوم، ولهذا يجب إغلاقها جميعا حتى يمكن نوم القيلولة في الظل الحارق. عندما بقيت وحيدا، وأنا في الثانية والثلاثين، انتقلت للعيش في الغرفة التي كانت لأبوي، وفتحت بابا للمرور إلي غرفة المكتبة مباشرة، وبدأت في بيع ما زاد عن حاجتي حتى أعيش، حتى بعت كل شيء تقريبا، ما عدا الكتب والبيانولا اليدوية.
عملت لأربعين عاما نافخا في كابلات صحيفة الدياريو دي لا باث، والذي كان يتمثل في إعادة صياغة أخبار العالم التي كنا نلتقطها عبر الموجات القصيرة أو من خلال دقات مورس وإكمالها بنثر محلي. أعيش حاليا بالكاد علي معاش تقاعدي من تلك المهنة المنقرضة، وأعيش بأقل من ذلك من معاشي كمعلم لقواعد القشتالية واللاتينية، ما أتقاضاه مقابل مقال الأسبوعي ينشر أيام الآحاد ظللت أكتبه بلا توقف خلال أكثر من نصف قرن لا يكاد يساوي شيئا، ولا أتقاضي شيئا علي الإطلاق مقابل أخبار الموسيقي والمسرح التي ينشرونها لي كخدمة مجانية عندما يأتي إلي المدينة عازفون وممثلون معروفون. لم أفعل شيئا آخر مختلفا عن الكتابة، لكني لا أملك لا فضيلة ولا موهبة الروائي، أجهل بشكل كامل قواعد التشكيل الدرامي، وإن كنت قد دخلت هذه المهنة فذلك يعود إلي ثقتي في نفسي علي ضوء الكثير مما قرأته في الحياة. يمكنني القول بكل صراحة، إنني مجرد شرطي بلا تميز ولا شهرة، وليس لدي ما أقوله لو لم أكن أستعيد دائما الكثير من الوقائع التي أتذكرها عن ذكريات حبي الكبير هذا.
تذكرت يوم عيد ميلادي التسعين كما هي العادة دائما، في الخامسة صباحا. التزامي الوحيد، باعتباره يوم جمعة، كان كتابة مقالي الموقع باسمي الذي ينشر أيام الأحد في دياريو دي لا باث. علامة ظهور الفجر أكدت علي عدم الإحساس بالسعادة: عظامي تؤلمني منذ الفجر، ومؤخرتي تحرقني، وكان هناك برق يوعز بهبوب عاصفة بعد ثلاثة أشهر من الجفاف. أخذت حماما بينما كانت القهوة علي النار، تناولت فنجانا كبيرا محلي بعسل النحل مع فطيرتين من دقيق الجذور(1)، وارتديت الرداء المملوكي(2) المنزلي المصنوع من الكتان.
موضوع المقال في ذلك اليوم، وكما هو متوقع، كان عن سنواتي التسعين. لم أفكر في العمر أبدا علي أنه مثل ماء متساقط من السقف ينبه الواحد منا إلي حجم ما تبقي له من عمر. منذ طفولتي المبكرة سمعتهم يقولون إنه عندما يموت الإنسان فإن الحشرات التي تعيش في الشعر تهرب متبخرة عبر المخدات مثيرة خجل العائلة. أثٌر فيٌ هذا إلي درجة إنني افتعلت الكحة حتى لا أذهب إلي المدرسة، وما تبقي لدي من قوة كنت أستخدمه في غسل رأسي بصابون مطهر. آي، أتذكر نفسي الآن، إنني منذ طفولتي المبكرة نمٌيت إحساسي بالخجل الاجتماعي الذي هو الموت.
منذ شهور كنت منتبها إلي أن مقالي في عيد ميلادي لن يكون تباكيا خادعا علي السنوات التي مضت، بل علي العكس تماما: تمجيدا للمشيب. بدأت بتوجيه سؤال إلي نفسي عن الوقت الذي انتبهت فيه إلي أنني أصبحت عجوزا، وأعتقد أنه كان قبل قليل من ذلك اليوم. عندما بلغت الثانية والأربعين ذهبت إلي الطبيب متشكيا من ألم في الظهر كان يعوق تنفسي. لم يعره الطبيب انتباها وقال لي: إنه ألم طبيعي لمن هم في مثل سنك.
قلت له أنا:
في هذه الحالة، فإنَّ غير الطبيعي هو سني.
اتسم الطبيب في وجهي بأسي. وقال لي: أري أن حضرتك فيلسوف. كانت تلك المرة الأولي التي فكرت فيها في سني علي أساس الشيخوخة، لكن سرعان ما نسيت هذا. اعتدت علي الاستيقاظ كل يوم بألمي مختلف متغير في المكان والشكل بمرور السنوات. يبدو أحيانا كما لو كان إبحارا للموت وفي اليوم التالي يختفي. سمعتهم في تلك الفترة يقولون إن أول أعراض الشيخوخة أنَّ الواحد منا يبدو شبيها لأبيه. يبدو أنه محكوم عليٌ بالشباب الأبدي، فكرت حينها: لأن شكلي الخيولي(3) لن يكون أبدا شبيها للكاريبي القح الذي كان عليه أبي، ولا الشكل الروماني الإمبراطوري لأمي. الحقيقة أن أول علامات التغيير كانت بطيئة إلي درجة لا تكاد تلاحظ، خاصة إذا كان الواحد ينظر إلي نفسه من الداخل كما كان يفعل دائما، لكن الآخرين ينبهونه من الخارج.
في العقد الخامس بدأت في تخيل نفسي عجوزا عندما بدأت ألاحظ أولي علامات النسيان. في يوم من الأيام فتشت البيت بحثا عن نظارتي إلي أن اكتشفت أنني أرتديها، أو أدخل بها إلي الدش، أو أضع نظارة القراءة دون أن أنزع نظارة الرؤية البعيدة. في يوم من الأيام تناولت إفطاري مرتين لأنني نسيت المرة الأولي، وتعلمت التعرف علي انزعاج أصدقائي عندما لا يتجرءون علي تنبيهي إلي أنني أحكي لهم الحكاية نفسها التي حكيتها لهم الأسبوع السابق. إلي ذلك الوقت كانت لدي قائمة لتذكر الوجوه المعروفة وأخري لأسماء كل منهم، لكن لحظة توجيه التحية لم أفلح في مطابقة الوجوه مع الأسماء.
عمري الجنسي لم يزعجني أبدا: لأن قدراتي لم تكن ترتبط بي بل بهن، وهن يعرفن كيف ولماذا ومتى يردن. أضحك اليوم من الأولاد الذين في الثمانين من عمرهم عندما يستشيرون الطبيب خوفا من هذه المفاجآت، دون أن يعرفوا أنهم في التسعين سيكونون أسوأ، لكن هذه الأشياء لا أهمية لها: إنها مخاطر البقاء علي قيد الحياة. بالمقابل، يعتبر انتصارا للحياة أن تفقد ذاكرة الكبار الأشياء التي لا قيمة لها، لكنها في مرات شاذة تخطئ في تذكر الأشياء التي تهمنا حقيقة. عبٌر عن ذلك ثيسرون في جملة واحدة:
لم يوجد بعد العجوز الذي ينسي أين خبأ كنزه.
بهذه الطريقة في التفكير، وطرق أخري مختلفة، كنت قد أنهيت الكتابة الأولي للمقال عندما انفجرت شمس أغسطس من بين أشجار اللوز في الحديقة العامة، ودخول سفينة البريد النهرية إلي الميناء، التي وصلت متأخرة أسبوعا كاملا بسبب الجفاف. فكرت: إلي هناك وصلت سنواتي التسعين. لن أعرف أبدا لماذا، ولن أحاول معرفة ذلك. لكنها كانت تعويذة لتلك الاستغاثة الجارفة التي جعلتني أقرر الاتصال تليفونياٌ بروسا كاباركاس لتساعدني علي تشريف عيد ميلادي بليلة متحررة. كنت قد أمضيت سنوات طويلة مع جسدي في هدوء مقدس، أقضي وقتي في القراءة غير المنتظمة لكتبي الكلاسيكية وبرامجي الخاصة عن الموسيقي الراقية، لكن الرغبة في ذلك اليوم كانت ضاغطة كما لو كانت وحيا من الله. بعد تلك المكالمة لم أستطع مواصلة الكتابة. وضعت السرير المعلق في ركن من المكتبة حيث لا تصل إليه شمس الصباح، وانطرحت وصدري يئن تحت ضغط قلق الانتظار.
أغرب علاقة في حياتي كانت تلك التي استمرت طوال سنوات مع الوفية دميانة. كانت طفلة تقريبا، هادئة وقوية وبدائية، كلماتها قليلة وقاطعة، كانت تتحرك حافية القدمين حتى لا تقلقني بينما كنت أكتب. أتذكر إنني كنت أقرأ الرمح الأندلسي في السرير المعلق بالممر، وشاهدتها صدفة منحنية علي حوض الغسيل بفستان قصير جداٌ إلي درجة أن خلفيتها المتماسكة كانت عارية. تحت وطأة حمي لا تقاوم رفعتها من الخلف، أنزلت سروالها حتى ركبتيها ودخلت فيها من الخلف. قالت هي، بتشكي حزين: آي، سيدي. لم تفعل هذا بسبب الدخول بل بسبب الخروج. ارتعاش عميق هز الجسد، لكنها ظلت متماسكة. ذليلا بسبب إهانتي لها أردت أن أدفع لها ضعف ما يدفع لأغلي امرأة وقتها، لكنها لم تقبل ولا حتى ثمن واحد، فضاعفت لها ما يوازي حساب شهر كامل، علي أن يكون ذلك دائما خلال غسلها الملابس ومن الخلف.
فكرت أحيانا أن حسابات السرير تلك يمكن أن تكون كافية للحفاظ علي علاقة بائسة خلال حياتي الضائعة، ونزل عليٌ العنوان من السماء: ذكريات عن عاهراتي التعيسات. حياتي العامة، بالمقابل، لم يكن فيها ما يثير الاهتمام: يتيم الأب والأم، أعزب بلا مستقبل، صحافي متوسط الموهبة وقفت أربع مرات علي أعتاب الحصول علي جائزة احتفالات ألعاب الزهور لمدينة كارتاخينا دي اندياس، وأنا المفضل لدي رسامي الكاريكاتير بسبب وفائي المثالي. أي: حياة ضائعة بدأتها بشكل سيئ منذ الأمسية التي أخذتني فيها أمي من يدي حين كنت في الثامنة عشرة من عمري لتري إن كان يمكن أن أنشر في الدياريو دي لا باث مقالا عن الحياة المدرسية كنت كتبته في درس اللغة القشتالية والبلاغة. نشر يوم الأحد مع مقدمة لرئيس التحرير تأمل في الاستمرار. بعد مرور سنوات، عرفت أن أمي دفعت ثمن نشره ونشر المقالات السبع التالية، وبعدها لم يعد هناك مجال للتراجع، فقد بدأت مقالاتي الأسبوعية تشق طريقها بأجنحتها الخاصة، إضافة إلي أنني أصبحت من مزودي الأخبار وناقدا موسيقيٌا.
منذ أن حصلت علي شهادة البكالوريا بدرجة ممتازة بدأت في تدريس القشتالية واللاتينية في ثلاث مدارس حكومية في وقت واحد. كنت معلما سيئا، بلا إعداد، ولا موهبة، ومعدوم الرحمة مع أولئك الصغار المساكين الذين كانوا يذهبون إلي المدرسة كأسهل طريقة للهروب من تسلط آبائهم. الشيء الوحيد الذي أمكنني فعله من أجلهم هو الحفاظ عليهم تحت سيطرة رعب مسطرتي الخشبية حتى تبقي فيهم علي الأقل القصيدة الشعرية القريبة إلي قلبي: هذا، فابيو، آي من الألم، ستري الآن، حقولا من الوحدة، وربوة حزينة، كانوا زمنا ما إيطالية شهيرة. فقط عندما تقدم بي السن عرفت صدفة بالكنية السيئة التي علقها التلاميذ علي ظهري: أستاذ الربوة الحزينة.
هذا هو كل ما قدمته لي الحياة ولم أفعل شيئا لكي أحصل منها علي أكثر من ذلك. كنت أتناول طعام الغداء وحيدا في وقت الراحة ما بين درس وآخر، وفي السادسة مساء أصل إلي إدارة تحرير الصحيفة لأصطاد موجات الفضاء الفلكي. في الحادية عشرة ليلا، عندما يتم إغلاق الطبعة، بعدها أبدأ حياتي الحقيقية. كنت أنام في الحي الصيني مرتين أو ثلاث أسبوعيٌا، ومع رفقة مختلفة، وتم تتويجي مرتين كأفضل زبون خلال السنة. بعد العشاء في مقهى روما القريب أختار أي بيت سري صدفة وأدخل متخفيا من باب الفناء الخلفي. كنت أفعل هذا متلذذا، لكن تلك العادة انتهت إلي أن أصبحتْ جزءا من مهنتي بفضل تسيب ألسنة بعض الزبائن الكبار من السياسيين، الذين يحكون أسرار الدولة لعشيقاتهم الليليات، دون أن يفكروا في أن الرأي العام يسمعهم من خلال الحوائط الكرتونية. من خلال هذه الطريقة، ولم لا، اكتشفت أيضا أن عزوبتي الأبدية تعود إلي اللواطة الليلية التي تروي عطشها مع الأطفال اليتامى في شارع الكريمن (الجريمة). كان حظي جيدا في أنني نسيتها، من بين الأسباب الكثيرة أنني عرفت الأشياء الطيبة التي يقولونها عني، وقدرت قيمة هذا.
لم يكن لي أبدا أصدقاء حميمين، والقلة التي اقتربتْ مني هم الآن في نيويورك. أي: موتي، لأنه المكان الذي أعتقد أن الأرواح الحزينة تذهب إليه حتى لا تبتلع حقيقة حياتها الماضية. منذ تقاعدي لم يعد لي سوي القليل لعمله، بخلاف أني أذهب بأوراقي إلي الصحيفة مساء كل يوم جمعة، أو أعمال أخري قليلة الأهمية: حفلات موسيقية في مسرح الفنون الجميلة، ومعارض رسم في المركز الفني، الذي أنا أحد أعضائه المؤسسين، وبعض الندوات في جمعية التحسين العام، أو في احتفال كبير مثل موسم فابريا بمسرح أبولو. كنت أذهب في شبابي إلي صالون السينما المفتوح، حيث كان يفاجئنا إما خسوف القمر أو التهاب رئوي مزدوج بسبب الأمطار الثلجية. لكن لم تكن تجذبني الأفلام في حد ذاتها أكثر مما كان يجذبني الاهتمام بفتيات الليل اللاتي كن يضاجعن بما يوازي ضعف ثمن التذكرة، أو مجانا، أو علي الحساب. لم تكن السينما هوايتي. وكان العبودية لشيرلي تيمبل النقطة التي طفحت في كأسي.
رحلاتي الوحيدة كانت أربع إلي احتفالات ألعاب الزهور في كارتاخينا دي لاس اندياس، قبل أن أكمل الثلاثين، وليلة سيئة في لنش بموتور، بدعوة من ساكرامنتو مونتييل لحضور افتتاح بيتها السري في سانتا مارتا. أما عن حياتي المنزلية، فأنا قليل الأكل وأحب كل ما يقدمونه إليٌ. عندما أصابت دميانة الشيخوخة لم تعد تطبخ في البيت، فكانت وجبتي المعتادة الوحيدة منذ ذلك الوقت هي عجة البطاطا التي أتناولها في مقهى روما بعد إغلاق الصحيفة.
وهكذا في اليوم السابق علي اكتمال أعوامي التسعين بقيت بلا غداء ولم أستطع التركيز في القراءة انتظارا لأنباء روسا كاباركاس. كانت الأجراس تقرع حتى الانفجار في حرارة الساعة الثانية، ودوران الشمس عبر النوافذ المفتوحة أجبرني علي تغيير مكان سريري المعلق ثلاث مرات. اعتقدت دائما خلال أيام عامي التسعين أنني كنت في أكثر الأعوام حرارة، وتعلمت تحملها، لكن الحالة النفسية في ذلك اليوم لم تمكٌني من ذلك. في الرابعة حاولت أن أهدئ نفسي بالسوناتات الستة للتشيلو لخوان سباستيان باخ، في طبعتها الأخيرة للسيد بابلو كاسالس. أعتبرها أنا أفضل عمل في كل الموسيقي، ولكن بدلا من تهدئتي فقد تركتني في حالة أسوأ من السابق. فقد أصابني النعاس مع الثانية، التي أعتقد أنها بطيئة بعض الشيء، وخلال النوم اختلط عليٌ أنين التشيللو بأنين سفينة حزينة قد غادرت. أيقظني التليفون في تلك اللحظة تقريبا، وأعاد لي الصوت الصدئ ل روسا كاباركاس الحياة. قالت لي: حظك من السماء. لقد عثرت لك علي بطة أفضل من التي كنت تريدها، لكن فيها عيب: لا تكاد تبلغ أربعة عشر عاما. قلت لها دون أن أفهم ما ترمي إليه: لا يهمني أن أغير القماطات. قالت هي: ليس بسببك، لكن من سيدفع لي مقابل سنوات السجن الثلاث؟.
لا أحد سيدفعهم، ولا هي بالطبع: فهي تكسب من بين الصغيرات اللاتي في سوق حانوتها، اللاتي تفتتحهن وتعتصرهن حتى يمضين حياتهن كأسوأ عاهرات متخرجات من الماخور التاريخي ل نيجرا إيوفيما. ولم تدفع في حياتها غرامة واحدة، لأن فناءها كان منتدى لرجال السلطة المحلية، من أول المحافظ وحتى آخر موظف في البلدية، ولم يكن متخيلا أن صاحبة الماخور تنقصها القدرة علي ارتكاب الجرائم علي هواها. لذلك فإن ادعاءها الشرف في آخر لحظة يعود إلي رغبتها في الحصول علي أعلي أجر مقابل خدماتها: ثمن أكبر عندما تكون الخدمة أكثر تعريضا للعقاب. تم حل الخلاف بزيادة ثمن الخدمات اثنين بيزو، واتفقنا علي أنني في العاشرة ليلا أكون أنا في بيتها بخمسة بيزوات نقدا ومقدما. ولا دقيقة قبل ذلك: لأن الصبية يجب عليها إطعام وإنامة أشقائها الصغار وكذلك أمها الكسيحة بسبب الروماتيزم.
بقيتْ أربع ساعات. كلما مرت، كان القلب يمتلئ برغوة حارقة كانت تمنعني من التنفس. بذلت جهدا عقيما لتمضية الوقت في ارتداء الملابس. في الحقيقة لم يكن هناك جديد في هذا، وحتى دميانة تقول إنني أرتدي ملابسي بشكل طقوسي تشبه طقوس الأسقف. جرحت بشفرة الحلاقة، وانتظرت حتى تبرد حرارة ماء الدش الساخنة بتعامد الشمس علي المواسير، وكان مجرد بذل الجهد لتنشيف جسدي بالفوطة يجعلني أعرق من جديد. ارتديت ملابسي استعدادا للمغامرة الليلية: الحلة الكتانية البيضاء، والقميص المخطط بالأزرق والياقة المنشاة، ورباط العنق الحريري الصيني، وأزرار الأكمام البيضاء الزنكية، والساعة الذهبية بسلسلتها المربوطة في عروة الجاكت. وأخيرا ثنيت أرجل البنطلون إلي الداخل حتى لا يلاحظ أحد إنني قد نحفت قليلا.
أنا مشهور بأنني بخيل لأنه لا أحد يستطيع أن يتخيل أنني فقير جدٌا لأني أعيش في المكان الذي أعيش فيه، والحقيقة إن ليلة مثل تلك أكبر من أن تتحملها قدراتي. أخرجت بيزوين من صندوق التوفير الذي أحتفظ به تحت السرير لإيجار الغرفة، وأربعة لصاحبة الغرفة، وثلاثة للصبية وخمسة كاحتياط لعشائي ومصروفات نثرية أخري. أي، الأربعة عشر بيزو التي تدفعها لي الصحيفة مقابل شهر من المقالات الأسبوعية. خبأتها جميعا في جيب سري بالحزام وتعطرت ببخاخة ماء الكولونيا ماركة فلوريدا دي لانمان وكيمب باركلي وكامبني. شعرت حينها بموجة من الرعب، وعند الدقة الأولي للساعة الثامنة هبطت السلم المظلم ببطء، والعرق يتصبب مني خوفا، وخرجت إلي الليلة الرائعة قبل ليلة احتفالاتي.
هبطتْ درجة الحرارة. كانت مجموعات من الرجال في ممر كولومبوس تتدافع في نقاش بأصوات مرتفعة عن كرة القدم. بين سيارات الأجرة الواقفة في منتصف الشارع بشكل متعامد علي الرصيف. كانت هناك مجموعة موسيقية تعزف فالسا تحت ممر الأشجار المزهرة. وإحدى العاهرات الفقيرات التي تصطاد الزبائن من منتصف شارع الموثقين طلبت مني سيجارة كالعادة، أجبتها بالطريقة نفسها التي كنت أجيبها بها دائما: توقفت عن التدخين منذ ثلاثة وثلاثين عاما، وشهرين، وسبعة عشر يوما. عند مروري أمام الألامبري دي أورور نظرت إلي نفسي في الفاترينات المضاءة ولم أراني كما كنت أشعر، بل أكثر كبرا في السن وأسوأ هنداما.
قبل العاشرة أوقفت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يوصلني إلي المقبرة العالمية حتى لا يعرف إلي أين أنا ذاهب حقيقة. نظر إليٌ عبر المرآة بمرح وقال لي: لا ترعبني، يا سيدي الحكيم، أرجو من الله أن يحفظني بحيوية مثل حضرتك. هبطنا سوياٌ أمام المقابر لأنه لم يكن يملك عملة صغيرة واضطررنا إلي البحث عن فكة في المقبرة، كانتين فقير حيث يبكي السكارى فيه أمواتهم فجرا. عندما صفينا حساباتنا قالي لي السائق بجدية: احترس، يا سيد، لأن بيت روسا كاباركاس لم يعد كما كان من قبل. لم أملك سوي أن أشكره، مقتنعا مثل كل الناس أنه لم يعد هناك سر تحت هذه السماء يخفي علي سائقي سيارات الأجرة في ممر كولومبوس.
توغلت في حي فقراء لا علاقة له بذلك الحي الذي عرفته قبل زمن. كانت الشوارع نفسها الواسعة برمالها الحارقة، ببيوتها المفتوحة الأبواب، وجدران من الخشب غير المدهون، وأسقف من الجريد العفص وأفنية من الحصى. لكن أهلها فقدوا هدوءهم. في أكثر البيوت كانت هناك جوقات موسيقية ترن طبولها في الأحشاء. وأي شخص يمكنه الدخول بخمسين سنتا إلي الحفل الذي يحبه أكثر، ولكن أيضا يمكنه أن يواصل الرقص مجانا. كنت أسير متمنيا أن تبتلعني الأرض بداخل ملابسي الفليبينية، لكن لا أحد أمعن نظره فيٌ، عدا خلاسي هزيل كان ينعس جالسا في باب أحد البيوت.
هتف فيٌ بكل قلبه:
في رعاية الله، يا دكتور، مضاجعة سعيدة!.
ماذا كان يمكنني أفعل سوي تقديم الشكر له؟!.. توقفت ثلاث مرات لالتقط أنفاسي قبل الوصول إلي آخر مرتفع. رأيت من هناك القمر النحاسي الكبير الذي يرتفع في الأفق، وجريان بطن مفاجئ جعلني أخشي علي نفسي، لكنه مر سريعا. في نهاية الشارع، حيث يتحول إلي غابة من الأشجار المثمرة، دخلت حانوت روسا كاباركاس.
لم تكن تبدو كما كانت في السابق، لقد كانت الأم القديسة الأكثر احتراسا ولهذا السبب الأكثر شهرة. امرأة ضخمة الحجم كنا نود أن نتوجها كعريف لشرطة المطافئ، بسبب حجم جسدها وأيضا بسبب قدرتها علي إطفاء قناديل الكنيسة. لكن الوحدة قلصت من حجم جسدها، وجعٌدت بشرتها، وحدٌت من صوتها إلي درجة أنها كانت تبدو كطفلة عجوز. لم يبق لها من السابق سوي الأسنان المتقنة، إحداها مغطاة بطبقة من الذهب علي سبيل الدلال. كانت محافظة علي الحداد علي زوج مات بعد خمسين عاما من الحياة المشتركة، وزادت عليه بشيء أقرب إلي غطاء الرأس الأسود حدادا علي موت ابنها الوحيد الذي ساعدها في تجارتها. لم يعد حياٌ فيها سوي عينيها المسطحتين والقاسيتين، ومن خلالهما انتبهت إلي أنه لم يتغير فيها شيء، ولا حتى فطرتها.
بالحانوت لمبة شاحبة معلقة في العمق ولا يكاد يوجد شيء للبيع في الدواليب، ولا حتى ليبدو غطاء لحرفة شهيرة يعرفها كل الناس، ولكن لا يعترف بها أحد. عندما دخلت علي أطراف أصابعي كانت روسا كاباركاس تلبي طلبات أحد الزبائن. لا أعرف إنْ كانت لم تتعرف عليٌ أم أنها تصنٌعت للحفاظ علي شكل التعامل. جلست في كرسي الانتظار حتى تنتهي من عملها وخلال ذلك حاولت استعادة المكان كما كان في الذاكرة. كنت قد جئت أكثر من مرتين عندما كنا أنا وهي لا نزال في شبابنا، أنقذتني هي من رعبي. أعتقد أنها قرأت تفكيري: لأنها استدارت نحوي ورمقتني بشكل مزعج. تنهدتْ بحزن: أنت لا يمر بك الزمن. أردت أنا أن أجاملها: وأنتِ كذلك، ولكنكِ تغيرت إلي الأفضل. قالت هي: هل هذا صحيح؟، إلي درجة أن وجهك الخيولي عاد إليك مجددا، ولكن بوجه حصان ميت. قلت لها بمكر: ربما هذا لأنني غيرت نوعية المطعم. تحمست هي: إن لم تخني الذاكرة كانت لديك عصا بحرية، قالت لي. كيف حالك؟، تهربت من الإجابة: الشيء الوحيد المختلف منذ أن فقدنا الاتصال أنه في بعض الأحيان تحرقني مؤخرتي. جاء توصيفها علي الفور: لعدم الاستخدام. قلت لها: أنا استخدمها إلا في ما صنعها الله من أجله، لكن الحقيقة أن مؤخرتي كانت تحرقني منذ فترة، ودائما عندما يكون القمر مكتملا. بحثت روسا في درجها المليء بالعجائب وكشفت عن علبة صغيرة بها مرهم أخضر تفوح منه رائحة ليمونية للعطاس: قل للصبية أن تدهن لك قليلا بإصبعها هكذا، محركة سبابتها بطريقة لولبية. أجبتها بسرعة إنه بفضل الله أنني لا زلت قادرا علي التعامل مع نفسي دون مساعدة من أحد. سخرت هي: آي، يا معلم، اغفر لي حياتي. ثم واصلت عملها.
كانت الصبية في الغرفة منذ العاشرة، قالت لي: كانت جميلة، ونظيفة وتربيتها حسنة، لكنها كانت مرعوبة: لأن صديقة لها هربت من سفينة جايرا ماتت نازفة خلال ساعتين. لكن حسنا، تراجعت روسا، هذا أمر طبيعي لأن أهل جايرا لهم شهرتهم في الفحولة. وعادت إلي حديثها: مسكينة، إضافة إلي هذا عليها أن تعمل في تركيب الأزرار في أحد مصانع القمصان. لم أعتقد أنه عمل صعب جداٌ. هذا ما يعتقده الناس، أجابت هي، إنه عمل أصعب من تكسير الحجارة. إضافة إلي هذا اعترفت لي أنها أعطت الصبية مشروبا مخدرا وهي الآن نائمة. خشيت أن يكون هذا من فنونها لرفع الأجر، لكن لا، قالت هي: كلمتي من ذهب. بقواعد ثابتة: كل شيء مدفوع بشكل منفرد، وبنقود نظيفة ومقدما. وهكذا كان.
تبعتها عبر الفناء، مستثارا بذبول بشرتها، وبطريقتها السيئة في السير بساقيها المتورمتين داخل جواربها القطنية البدائية. كان القمر المكتمل يصل إلي منتصف السماء، ويمكن رؤية الدنيا كما لو كانت غارقة في مياه خضراء. بالقرب من الحانوت كان هناك سقف من السعف يطل علي شرفات الإدارة العامة، وحولها مقاعد خشبية جلدية وأسرٌة معلقة في الأركان. في الفناء الخلفي، حيث تبدأ غابة الأشجار المثمرة، كانت هناك صالة تطل علي ست غرف من الطوب غير المبلط، بنوافذ متصلة. الحجرة الوحيدة المسكونة كانت نصف مضاءة، وتونيا لانيرا كانت تغني في الراديو أغنية عن قصص الحب الرديئة، تنفست روسا كاباركاس: الأغنية هي الحياة. كنت متفقا معها في رأيها، لكني لم أجرؤ حتى اليوم علي كتابتها. دفعت هي الباب، دخَلَت للحظات وعادت للخروج مرة أخري. قالت: لا تزال نائمة. من الأفضل أن تتركها تستريح الوقت الذي يتطلبه منها الجسد، ليلك أطول من ليلها. كنت كالأعمى: ماذا تعتقدين عليٌ أن أفعل؟، أنت خبير، قالت هي بلذة غير معتادة في مثل هذه المواقف، أنت خبير لسبب ما. استدارت نصف دورة وتركتني وحيدا في مواجهة الرعب.
لم يكن هناك من مهرب. دخلت الغرفة وقلبي مرتبك، ورأيت الصبية نائمة، كانت عارية وضعيفة في السرير الضخم المؤجر، كانت كما ولدتها أمها. مضجعة علي جانبها، وجهها باتجاه الباب، مضاء بالنور القادم من العمق بقوة كاشفا عن كل تفاصيل جسدها. جلست أتأملها من علي حافة السرير بانجذاب حواسي الخمس. كانت خمرية وفاترة. لقد أخضوعها لعملية تنظيف وتجميل لم تترك شيئا ولا حتى شعر عانتها. ضفٌروا شعرها، وكان في أظافر يديها وقدميها لمعانا طبيعيا، لكن الجلد الذي يشبه العسل الأسود كان خشنا ومنهكا. النهدان حديثا النبت كانا يبدوان كنهدي طفل تضغط عليهما قوة سرية علي وشك الانفجار. أفضل ما في جسدها كانت قدماها الكبيرتين ذات الخطوات الخفيفة والأصابع الطويلة والحساسة كما لو كانت ليدين. كانت غارقة في عرقها الفسفوري رغم المروحة، والحر يزداد كلما تقدم الليل. من المستحيل تخيل كيف كان شكل الوجه المدهون، وطبقة بودرة الأرز الثقيلة ببقعتين ملونتين علي الخدين، والرموش الاصطناعية، والحواجب والجفون تبدو كالمحترقة بسبب الدخان الأسود، وتم تكبير حجم الشفاه بورنيش الشكولاته. لكن لا الخرق ولا قصة الشعر تمكنت من إخفاء شكلها: الأنف المترفع، والحواجب المتصلة، والشفاه الثقيلة. فكرت: عجل صغير مولود للمصارعة.
في الحادية عشرة بدأت أنا حركتي الروتينية في الحمٌام، حيث كانت ملابسها الفقيرة مطوية علي كرسي بدقة الأغنياء: فستان ملون بفراشات مطبوعة، وسروال أصفر وصندل. علي الملابس كانت هناك أسورة رخيصة وسلسلة رقيقة بصورة للعذراء. وعلي حافة الحوض حقيبة يد بها قلم شفاه، وعلبة ألوان تجميل، ومفتاح وبعض القطع النقدية الصغيرة. كله رخيص جدٌا، ومستهلك بسبب الاستخدام لدرجة لا يمكنني تخيل أن هناك أفقر منها.
خلعت ملابسي وعلقتها علي الشماعات علي أفضل طريقة يمكنني القيام بها حتى لا أكرمش حرير القميص وكي البدلة الكتانية. تبولت جالسا، وكما علمتني فلورينا دي ديوس منذ طفولتي حتى لا أبلل جوانب القاعدة، ولا أزال، بلا تواضع، كنت أتبول بطريقة مباشرة وحادة كحصان صغير. قبل أن أخرج نظرت إلي مرآة حوض غسيل اليدين. الحصان الذي نظر إليٌ من الجانب الآخر من المرآة لم يكن ميتا بل حزينا، وعليه مسحة بابوية من البابا، الجفون متورمة والعرف هزيل وقد كان في السابق قصة موسيقي. قلت له:
قذارة، ماذا أفعل إذا لم تكن تحبني؟.
في محاولتي عدم إيقاظها جلست في السرير عاريا وقد اعتادت عيني علي خداع الضوء الأحمر، وفحصتها شبرا شبرا. مررت طرف إصبعي علي عمودها الفقري الغارق في العرق فارتعدت من داخلها كوتر في آلة هارب، استدارت نحوي بهمهمة واحتضنتني في رائحة أنفاسها الحادة. ضغطت علي أنفها بإصبعي الكبير والسبابة، فانتفضت، أبعدت رأسها وأدارت لي ظهرها دون أن ترمش. حاولت إبعاد ساقيها عن بعضهما بركبتي في محاولة غير متوقعة. غنيت لها في أذنيها: سير ديلادينا محاطة بالملائكة. استرخت قليلا. صعدت في عروقي موجة حارة، وحيواني البطيء المتقاعد استيقظ من نوم طويل.
ديلادينا، يا روحي، رجوتها متشوقا. ديلادينا. أطلقت حمحمة محزنة، وهربت من بين فخذي، وأدارت لي ظهرها واستدارت حول نفسها كحيوان بحري في قوقعته. يبدو أن الشراب المخدر كان قويٌا بالنسبة لي كما كان قويٌا بالنسبة لها: لأنه لم يحدث شيء، لا لها ولا لأحد. لكن هذا لم يهمني. سألتني نفسي عن فائدة إيقاظها، شعرت بالذل والحزن، وببرد كوخزة.
دقٌت حينها الثانية عشرة، دقات واضحة، وبدأ فجر يوم 29 أغسطس، يوم استشهاد القديس يوحنا المعمدان. كان هناك من يبكي بصوت صارخ في الشارع ولا أحد يستجيب. صليت من أجله، لو كان في حاجة إلي هذه الصلاة، وصليت من أجلي أيضا، كشكر علي ما حصلت عليه من فضائل: لا ينخدع أحد، لا، في انتظار الاستمرار أكثر ما انتظر وظل أكثر ما رأي. حمحمت الصبية في الحلم، فصليت أيضا من أجلها: أن يمر كل شيء بأفضل ما يمكن. بعدها أطفأت الراديو والنور لأنام.
استيقظت فجرا دون أن أتذكر أين كنت. كانت الصبية لا تزال نائمة وظهرها لي في وضع جنيني. كان لدي إحساس بأنني شعرت بها قد استيقظت في الظلام وذهبت إلي الحمٌام، وإنني سمعت صوت تفريغ سيفون الحمٌام، لكن ربما كان حلما. كان شيئا جديدا لي. كنت أجهل براعة الإغواء، واخترت دائما عشيقات الليل حسب الثمن وليس حسب ما تملك من إغراء، وكنا نمارس الحب بلا حب، نصف عرايا في أكثر الأحيان، وفي الظلام دائما، حتى نتخيل بعضنا بشكل أفضل. في تلك الليلة اكتشفت لذة تأمل جسد امرأة نائمة بعيدا عن ضغوط الرغبة أو عوائق الخجل.
استيقظت في الخامسة، قلقا لأن مقالي الأسبوعي ليوم الأحد كان يجب أن يكون علي طاولة التحرير قبل الثانية عشرة. قمت بالتحلل اليومي ببعض الحرقان للقمر المكتمل، وعندما سحبت سلسلة السيفون شعرت أن كراهيتي الماضية ذهبت مع الماء. عندما عدت إلي غرفة النوم نشطا ومرتديا ملابسي، كانت الصبية تنام علي ظهرها تحت نور الفجر الهادئ، كانت ممددة علي السرير من أقصاه إلي أقصاه، والذراعان مفتوحين كصليب ومليكة مطلقة لعذريتها. يحرسك الله، قلت لها. كل النقود التي بقيت، نقودي ونقودها، وضعتها علي المخدة، وودعتها إلي الأبد بقبلة علي جبهتها. البيت، مثل كل البيوت السرية في الفجر، كانت أقرب إلي الفردوس. خرجت من باب الحديقة حتى لا ألتقي بأحد. تحت شمس الشارع الحارقة بدأت أشعر بثقل أعوامي التسعين، وأعدٌد دقيقة بدقيقة دقائق الليالي التي لا تزال باقية علي موتي.

- 2 -

أكتب هذه الذكريات بين القليل الذي تبقي من المكتبة التي كان يملكها والدي، التي تكاد أرففها تتساقط بسبب عمل العثة الصبور. علي أي حال، فإن ما تبقي لي في هذا العالم يكفيني: قواميسي التي تشمل جميع الأنواع، من المجموعات الأولي لالوقائع الوطنية للسيد بنيتو بيريث جالدوس، والجبل السحري الذي علمني كيف أفهم أحوال أمي المصطنعة.
علي عكس الأثاث الآخر، وأنا نفسي، فإن المكتب الذي أكتب عليه يبدو أفضل حالا كلما مر الوقت، لأن جدي لأمي صنعه من خشب البلوط، فقد كان يعمل نجار سفن. وحتى إذا لم يكن لدي ما أكتبه، فإنني أعده كل صباح بالحرص الكبير نفسه الذي تسبب في ضياع العديد من فرص الحب. أجد عند أطراف أصابعي الكتب المحببة إليٌ: أجزاء أول قاموس مزين بالرسوم للأكاديمية الملكية، الصادر عام 1903، وكنوز اللغة القشتالية أو الإسبانية للسيد سباستيان كوفاروبياس، والقواعد للسيد انريس بيلو، يفيدني هذا الكتاب عندما تكون لدي شكوك حول أي معني، طبقا للحرص المطلوب، فإن هناك القاموس الأيدلوجي لخوليو كاساريس، خاصة مقابلاته ومترادفاته، ومفردات اللغة الإيطالية لنيكولاس زيناريلي: حتى أنمي لدي لغة أمي، التي تعلمتها منذ المهد، والقاموس اللاتيني، لأنها تلك اللغة الأم للغتين الأخريين اللتين أعتبرهما لغتي الطبيعيتين.
علي يسار المكتب أحرص دائما علي وجود خمس مجموعات من الورق المجمعة بالخيط لكي أمارس عليها مهنتي في كتابة مقال أيام الأحد، وقرن تراب الخطابات الذي أفضله علي نشافات الورق الحديثة. وعلي اليمين هناك القلم بغطائه الذهبي، فلا زلت أكتب الخط الرومانتيكي الذي علمتني إياه فلورينا دي ديوس حتى لا أكتب الخط الرسمي لزوجها، الذي كان يعمل موثقٌا عاما ومحاسبا رسميٌا حتى آخر لحظة من حياته. فرضوا علينا منذ فترة في الصحيفة الكتابة بالآلة الطابعة حتى يمكن حساب عدد الكلمات بشكل أفضل، لكني لم أستطع التطبع مع هذا الوضع، فواصلت الكتابة بيدي ثم أعيد كتابته من جديد علي الآلة الطابعة بضربات شبيهة بنقر الدجاجة، وذلك بفضل امتيازي كواحد من أقدم العاملين. أما اليوم، فأنا متقاعد ولكن لست مهزوما، أتمتع بالامتياز المقدس بالكتابة في البيت، وسماعة التليفون مرفوعة حتى لا يقاطعني أحد، وبدون الرقيب الذي يتابع كتابتي من فوق كتفي.
أعيش بلا كلاب ولا عصافير ولا خدم، عدا الوفية دميانة التي كثيرا ما أنقذتني في لحظات حرجة، ولا تزال تأتي مرة في الأسبوع لعمل ما يمكن عمله، برغم حالتها التي هي عليها، نظرها ضعيف وقليلة الحيلة. رجتني أمي وهي في سرير موتها أن أتزوج في شبابي المبكر من امرأة بيضاء، وأن ننجب علي الأقل ثلاثة أبناء، من بينهم طفلة تحمل اسمها، الذي كان اسم أمها وجدٌتها من قبل. كنت حريصا علي تلبية رجائها، لكن كانت لدي فكرة مطاطة عن الشباب فلم أر أبدا أن الوقت قد فات. إلي أن حدث في منتصف نهار حار أن أخطأت أحد الأبواب في بيت آل بالوماريس دي كاسترو في برادومور، وفاجأت خيمينا اورتيث الابنة الصغرى عارية، كانت تنام القيلولة في الغرفة المجاورة. مضطجعة وظهرها للباب، واستدارت لتنظر إليٌ من فوق كتفها بحركة سريعة لم تترك لي مجالا للهرب. آي، معذرة، تمكنت من القول وروحي في حلقي. ابتسمت هي، واستدارت نحوي بجسد غزالة، واستعرضت أمامي جسدها كاملا. كانت اللحظة كلها معبقة بحميميتها. لم تكن عارية تماما، بل كانت تضع في أذنها زهرة سامة ذات بتلات برتقالية، مثل لوحة أولمبيا لمانيه، وكانت ترتدي خاتما من الذهب في كفها اليمني وعقدا من اللؤلؤ الصغير الحجم. لم أتخيل مطلقا أنه يمكنني أن أري شيئا مشوشا ينزع الحياة، أستطيع اليوم أن أؤكد أنني كنت علي حق.
أغلقت أنا الباب بضربة واحدة، خجلا من بلادتي، مع إصرار علي نسيان الأمر. لكن خيمينا اورتيث منعتني من تنفيذ قراري. أرسلت لي رسائل مع أصدقاء مشتركين، وبطاقات مثيرة، وتهديدات مرعبة، فيما انتشرت الشائعات بأننا نجن بحب كل منا للآخر دون أن نتبادل كلمة واحدة. كان من المستحيل مقاومة ذلك. عيناها عينا قطة برية، وجسدها مثير سواء بالملابس أم بغيرها، وشعرها ذهبي كثيف تفوح منه رائحة أنثوية تجعلني أبكي علي المخدة. كنت أعرف أنه لا يمكن أن يكون حبٌا، لكن الإغراء الشيطاني الذي كانت تمارسه عليٌ كان قوياٌ إلي درجة أنني كنت أخففه بأية عاهرة ذات عيون خضراء ألاقيها في طريقي. لكني لم أستطع مطلقا أن أطفئ نيران ذكري رؤيتها في سرير بيت برادومار، وأخيرا استسلمت لها، بالتقدم لطلب يدها رسميٌا، وتبادلنا الخواتم وقمنا بالإعلان عن عرس كبير قبل حلول عيد الأسبوع المقدس.
انتشر الخبر بشكل أكبر في الحي الصيني أكثر من انتشاره في النادي الاجتماعي. قوبل أولا بالسخرية، لكن تلك السخرية تحولت إلي معارضة من جانب سيدات الحظ اللاتي كن يرين أن الزواج مسألة غبية أكثر منه ارتباط مقدس. اكتمل عرسي بكل الطقوس الأخلاقية المسيحية في شرفة الأوركيدات الأمازونية والأشجار المعلقة في بيت أهل خطيبتي. كنت أحضر في السابعة مساء، مرتديا حلة من الكتان الأبيض، وبأي هدية من الخرز المصنوع يدويٌا أو الشيكولاتة السويسرية، وكنا نتبادل الحديث حتى العاشرة، في حراسة العمة أرخينديا، التي كانت تنام عند أول ارتخاء للجفن كقوادات روايات تلك الفترة.
كلما تعارفنا أكثر علي بعضنا كانت خيمينا تزداد شراهة، كانت تخلع صديراتها وفساتينها التي كانت تضيق بها كلما اقترب حر يونيو، وكان من السهل تخيل قدرتها المدمرة التي كانت تتملكها في الظل. بعد شهرين من الخطوبة لم يعد لدينا ما نتحدث عنه، وبدأت هي تتحدث في موضوع الأولاد دون أن تقوله بصراحة، كانت تنسج أحذية صغيرة من الصوف الطبيعي لأطفال حديثي الولادة. أنا، الخطيب المهذب، تعلمت النسج معها، وهكذا أمضينا الساعات الضائعة التي سبقت موعد العرس، أنا أنسج أحذية زرقاء للأولاد وهي تنسج الوردية للبنات، ونتراهن علي من يصدق حدسه، حتى زاد العدد عن الخمسين من الأبناء. وقبل أن تحل الساعة العاشرة كنت أصعد عربة تجرها الخيول وأذهب إلي الحي الصيني لأعيش ليلتي في سلام الله.
حفلات وداع العزوبية التي كانوا يقيمونها لي في الحي الصيني كانت تسير في عكس سهرات النادي الاجتماعي الكئيبة. إنه تناقض أفادني في معرفة أي من العالمين في الواقع هو عالمي، وحلمت بأن أعيش العالمين معا ولكن لكل عالم أوقاته، فمن كل عالم كنت أري الآخر يبتعد كزفير صفارات السفن المفترقة في أعالي البحار. وحفلة الرقص السابقة علي أعياد الأسبوع المقدس تم خلالها الإعلان عن حفل نهائي ما كان يخطر علي بال أحد سوي قس جيليقي(4) تسيطر عليه الشهوة، فقد أمر كل الفتيات بارتداء الخمار والزهور، حتى يتزوجن بي في حفل علني مقدس. كانت ليلة كبري من انتهاك قدسية الحب ووعدت اثنتان وعشرين منهن بالوفاء بالحب والخضوع وأجبتهن بالوفاء المقابل حتى ما بعد موتي.
لم أستطع النوم بسبب ما كان علامة علي شيء لا بد منه. فقد بدأت منذ الفجر في عدٌ مرور الساعات من خلال دقات ساعة الكاتدرائية، إلي أن جاءت دقات الساعة السابعة المرعبة التي كان يجب أن أكون فيها في الكنيسة. بدأ جرس التليفون يدق في الثامنة، طويلا ولحوحا، وبلا توقف، طوال أكثر من ساعة. لم أمتنع فقط عن الرد: بل لم أتنفس. وقبل العاشرة بقليل دقوا علي الباب، أولا بالقبضات، وبعدها بصرخات أصوات معروفة وبغيضة. خشيت أن يحطموه لسبب خطير، لكن مع حلول الحادية عشرة خيٌم علي البيت صمت لا يحدث إلا بعد الكوارث الكبرى. حينها بكيت من أجلها ومن أجلي، وصليت من كل قلبي ضارعا ألا ألتقي بها أبدا خلال ما تبقي لي من أيام. يبدو أن قديسا استمع إلي نصف تضرعي: فقد ذهبت خيمينا من البلاد في الليلة نفسها ولم تعد إلا بعد عشرين عاما من ذلك اليوم، متزوجة ولديها سبعة أبناء كانوا يمكن أن يكونوا أبنائي. 
بذلت جهدا كبيرا للحفاظ علي مكانتي ومقالي في صحيفة الدياريو دي لا باث بعد تلك الإهانة الاجتماعية. لكن لم يكن هذا سببا في نقل مقالي إلي الصفحة الحادية عشرة، بل سببه الاندفاع الأعمى الذي دخل به القرن العشرين. فقد أصبح التقدم أسطورة المدينة. تغير كل شيء، الطائرات طارت وألقي رجل بكيس الخطابات من طائرة جونكر واخترع البريد الجوي.
الشيء الوحيد الذي بقي علي حاله هو مقالاتي في الصحيفة. وهاجمتها الأجيال الجديدة، كمن يهاجم مومياء من الماضي يجب تدميرها، لكني حافظت عليها بنفس لهجتها، دون تنازل، وضد رياح التغيير. لم أستمع لأي شيء، فقد كنت قد أكملت الأربعين، ولكن المحررين الشبان كانوا يطلقون عليٌ مقال اللقيط. استدعاني مدير التحرير وقتها إلي مكتبه ليطلب مني أن أغيٌر اللهجة حسب التيارات الجديدة. فقال لي بهدوء كما لو كان التقدم قد اخترعوه في التو واللحظة: العالم يتقدم. قلت له: نعم، يتقدم، لكنه يظل يدور حول الشمس. إلا أنه حافظ علي مقالي الأسبوعي لأنه لم يجد من يصغ الأخبار. واليوم أعرف أنني كنت علي حق، ولماذا كنت علي حق. المراهقون من جيلي تحت وطأة شراهتهم بالحياة نسوا الحلم بالمستقبل، إلي أن علٌمهم الواقع أن المستقبل لم يكن كما حلموا به، فاكتشفوا الحنين. وهناك كانت مقالات الأحد، كأثر معماري بين أنقاض الماضي، فانتبهوا إلي أنها لم تكن موجهة فقط لكبار السن بل موجهة للشباب الذين لم يخافوا من الشيخوخة. وحينها عاد المقال إلي صفحة الافتتاحيات، وفي بعض الأوقات الخاصة كان ينشر مقالي في الصفحة الأولي.
من يسألني أجيبه دائما بالحقيقة: العاهرات لم يتركن لي وقتا لكي أكون متزوجا. مع ذلك، يجب أن أعترف أنه لم تكن لدي هذه الإجابة حتى اليوم الذي أكملت فيه عامي التسعين، عندما خرجت من بيت روسا كاباركاس بالإصرار علي ألا أصنع قدري أبدا بعد الآن. كنت أشعر أنني آخر. اختل عقلي برؤيتي للناس متكئة علي الحواجز الحديدية المحيطة بالحديقة العامة. التقيت دميانة كانت تنظف الأرضية، منحنية في الصالة، وشباب سمانتيها في عمرها هذا أيقظ رعشة من زمن مضي. أعتقد أنها شعرت بذلك لأنها غطت نفسها بالفستان. لم أستطع قمع الرغبة في سؤالها: قولي لي شيئا، دميانة أي شيء تتذكرين؟. قالت: لم أكن أتذكر أي شيء، لكن سؤالك يذكرني بشيء. شعرت أنا بضغط في الصدر. قلت لها: لم أعشق أبدا. ردت عليٌ علي الفور: أنا، نعم عشقت. أنهت الحديث دون أن تتوقف عن عملها بقولها: بكيت طوال اثنين وعشرين عاما من أجلك. قفز قلبي. بحثا عن مخرج كريم، قلت لها: كان يمكننا أن نكون زوجين طيبين. قالت هي: من السيئ أن تقول لي ذلك الآن، لأنني لا لم أعد أصلح لك الآن. عندما خرجت من البيت، قالت لي بطريقة أكثر طبيعية: حضرتك لن تصدقني، أنا لا أزال عذراء، شكرا لله.
بعدها بقليل اكتشفت أنها تركت ورودا حمراء في كل البيت، وبطاقة علي المخدة: أرجو أن تصل إلي المية(5). بهذا الطعم الرديء جلست لإكمال المقال الذي كنت قد تركته ناقصا في اليوم السابق. أنهيته في نفسي واحد في أقل من ساعتين واستطعت أن ألوي عنقه ليعبر عن حالتي الداخلية دون أن تبدو عليٌ مظاهر البكاء. لكن بضربة إلهام متأخرة قررت إنهاءه بالإعلان عن أنني بهذا المقال أنهي بسعادة حياة طويلة وكريمة دون أن أرتكب سوءة موتي.
هدفي كان أن أترك المقال في بوابة الصحيفة والعودة إلي البيت. لكني لم أتمكن من ذلك. كان العاملون بكاملهم ينتظرونني ليحتفلوا بعيد ميلادي. كان المبني تحت الترميم، والسقالات والحطام الباردة في كل مكان، لكنهم أوقفوا العمل بسبب الحفل. علي مائدة نجار كانت المشروبات معدة لتناول النخب والهدايا ملفوفة في ورق ملون. ذاهلا من أضواء فلاشات الكاميرات استحوذت علي كل الصور التذكارية.
سعدت لوجود كل محرري الإذاعة والصحف الأخرى بالمدينة: لا برنسا الصباحية المحافظة، والهيرالدو الصباحية الليبرالية، والناسيونال المسائية الفضائحية التي تحاول تخفيف توتر النظام العام بحكايات عاطفية. لم يكن غريبا أن يتجمعوا معا، لأنه داخل روح المدينة كان مقبولا أن تستمر علاقات الصداقة بين جميع العاملين بينما المارشالات يمارسون الحروب بالافتتاحيات.
وأيضا كان هناك الرقيب السيد خيرونيمو اورتيجا، خارج ساعات عمله، الذي كنا نطلق عليه رجل التاسعة البغيض: لأنه كان يصل في تلك الساعة من الليل بقلمه الدموي ذي السن الحاد. يظل هناك إلي أن يتأكد من أنه لم يكن هناك حرف واحد لم يوافق عليه في طبعة الصباح. كانت لديه كراهية خاصة تجاهي، سببه كبريائي كلغوي، أو لأنني أستخدم كلمات إيطالية بلا تنصيص أو تمييز عندما أري أنها أكثر تعبيرا من القشتالية، كما يجب أن يكون الاستخدام المعروف بين اللغات المشتقة من أصل واحد. بعد معاناة استمرت أربع سنوات، انتهينا إلي قبوله كما لو كان سوء نيتنا نحن أنفسنا.
حملت السكرتيرات إلي الصالون طبق حلوي بتسعين شمعة مشتعلة واجهت خلالها سنوات حياتي لأول مرة. ابتلعت دموعي عندما غنوا لي أغنية النخب، وتذكرت الصبية بلا أي سبب. لم يكن ضربا من الكراهية بل تفهما متأخرا للإنسانة التي كنت أنتظر أن أتذكرها مرة أخري. بعد انتهاء الاحتفال وضع أحدهم في يدي سكينا لأقطع الحلوى. خوفا من السخرية لم يجرؤ أحد علي إلقاء كلمة. أنا كنت أفضل الموت علي الرد عليه. ولإنهاء الحفل، مدير التحرير الذي لم أكنٌ له أي حب، أعادنا إلي الواقع المرير. قال لي: والآن نعم، أيها التسعيني الشهير، أين مقالك؟.
الحقيقة أنني كنت أشعر به يحرق جيبي بنار مشتعلة طوال المساء، لكن الانفعال الذي تعمق فيٌ حتى لا أفسد الحفل لم يترك لي مجالا للإعلان عن رفضي. قلت: هذه المرة لن يكون هناك مقال. امتعض مدير التحرير لخطأ ما كان مقبولا من القرن السابق. وحتى نفهم الحال تماما، قلت له، لقد مررت بليلة صعبة إلي درجة أنني استيقظت مخدرا من التعب. قال هو بحسه الساخر المرير: إذن كان عليك أن تكتبه. القراء يحبون معرفة الحياة عند بلوغ التسعين من شخص يعيشها. فردٌت إحدى السكرتيرات. قالت: ربما كان سرٌا لذيذا، ونظرتْ إليٌ بدلال: أليس كذلك؟، موجة ساخنة ضربتني علي وجهي. اللعنة، فكرت، يا له من خائن هذا الخجل. سكرتيرة أخري، متألقة، أشارت نحوي بإصبعها. يا للروعة! لا تزال لديه رجولة ليخجل. أشعل تدخلها فيٌ خجلا علي خجل. ربما كانت ليلة من التهجم، قالت السكرتيرة الأولي: أنا أحسدك!، وقبلتني قبلة ظلت مرسومة علي خدي. تسابق المصورون. مختنقا، سلمت المقال لمدير التحرير، وقلت له إن ما قلته من قبل كان علي سبيل المزاح، تفضل، وهربت مصعوقا بآخر دفعة من التصفيق، كي لا أكون حاضرا عندما يكتشفون أنها استقالتي بعد نصف قرن من الإبحار.
استمر تشوقي طوال تلك الليلة عندما نزعت في البيت الورق الذي يلتف علي الهدايا. عمال التوضيب لم ينجحوا في اختيار هديتهم بتقديمهم صانعة القوة الكهربائية تماما مثل الثلاث التي قدموها لي في أعياد ميلادي السابقة. ومصففو الأحرف قدموا لي تفويضا لاستلام قط من حظيرة البلدية. والإدارة قدمت لي أرباحا رمزية. والسكرتيرات أهدينني ملابس داخلية من الحرير مطبوع عليها آثار قبلات، وبطاقة يعرضن عليٌ فيها نزعها عني. وخيل لي أن أحد امتيازات الشيخوخة هي الإثارة التي تسمح للصديقات من الفتيات أن يعتقدن أننا خارج العمل.
لم أعرف مطلقا من الذي أرسل لي أسطوانة مسجل عليها أربع وعشرين مقطوعة لشوبان بقيادة ستيفان إسكيناس. والمحررون في معظمهم أهدوني كتبا عن الموضة. لم أكد أفتح جميع الهدايا حتى اتصلت بي روسا كاباركاس تليفونيٌا لتسألني السؤال الذي لم أكن أود سماعه: ماذا حدث لك مع الصبية؟، قلت لها دون تفكير: لا شيء. فقالت روسا كاباركاس: هل تعتقد أنه لا شيء إذا كنت حتى لم توقظها؟، إن المرأة لا تغفر أبدا للرجل الذي يحتقرها يوم دخولها. أنا بررت الأمر بأن الصبية لم تكن متعبة فقط من عملها في تركيب الأزرار، وربما كانت تتصنع النوم خوفا من المرور بهذه الخطوة المؤلمة. قالت روسا: الأخطر أنها تعتقد حقيقة أنك لا تصلح، ولا أحب أن تنشر هذا في أركان الأرض الأربعة.
لم أمنحها الفرصة لتفاجئني. رغم أن الأمر كان كذلك، قلت لها إن حالتها كانت سيئة إلي درجة ما كان يمكن التعامل معها لا نائمة ولا مستيقظة: إنها كلحم المستشفيات. خفضت روسا كاباركاس من لهجتها: الذنب ذنب التسرع الذي انهينا به الاتفاق، لكن يمكن علاج ذلك، وستري. وَعَدَتْ بأن تستجوب الصبية، ولو كان الأمر هكذا ستجبرها علي إعادة المال. ما رأيك؟. قلت لها: دعي الأمر علي حاله. لم يحدث أي شيء، والعكس فقد كانت تجربة أكدت لي أنني لم أعد أصلح لأي شيء. في هذا الاتجاه فالصبية لديها كل الحق: فأنا لم أعد أصلح. وضعت سماعة التليفون، مفعما بإحساس تحرر لم أعرفه في حياتي من قبل، وأخيرا تمكنت من الهرب من قلق سيطر عليٌ منذ أن كنت في الثالثة عشرة.
في السابعة ليلا كنت ضيف الشرف في كونشيرتو جاك تابولت والفريد كورتوت في صالة الفنون الجميلة، بعزف رائع لسوناتة الكمان والبيانو التي أداها ثيسار فرانك، وما بين الفصلين استمعت إلي الإعجاب المباشر. المايسترو بدرو بيافا، مايسترو موسيقي عظيم، أخذني عنوة إلي غرف الموسيقيين ليقدمني إلي العازفين. وابهرني إلي درجة أنني حييتهم علي عزفهم لسوناتة شومان التي عزفوها، وصحح لي أحدهم الاسم بطريقة مخجلة. والخطأ الذي ارتكبته في الخلط بين السوناتتين كشف جهلي، وازداد الأمر خطرا عندما حاولت شرح الأمر في مقال الأحد التالي الذي تناولت فيه الحفل الموسيقي بالنقد.
شعرت لأول مرة في حياتي الطويلة بأنني قادر علي قتل أحد. عدت إلي البيت مهموما بالشيطان الصغير الذي ينفخ في الأذنين بالإجابات المدمرة التي لم نرد بها في وقتها، فلا القراءات ولا الموسيقي خففا من غضبي. لحسن الحظ أن روسا كاباركاس أخرجتني من الهذيان بصرخة في التليفون: أنا سعيدة بالصحيفة، لأنني لم أعتقد أنك أكملت التسعين بل مائة. أجبتها بحدة: لهذا أنا ضائع كما ترين؟ قالت هي: علي العكس، إن ما فاجأني كان رؤيتك في صحة ممتازة. إنه لأمر طيب أنك لست من كبار السن غير الناضجين الذين يزيدون من أعمارهم حتى يعتقد الآخرون أنهم في حالة جيدة. ثم غيرت من لهجتها: أحتفظ لك بهديتك. فاجأتني حقيقة فقلت: ما هي؟. قالت هي: الصبية.
لم أدع لنفسي لحظة واحدة للتفكير. قلت لها: شكرا، لكن تلك حكاية من الماضي. لم تحاول التعليق: سأرسلها إلي بيتك ملفوفة في ورق صيني ومغسولة بالصندل علي البخار، كله مجانا. تمسكت برأيي، فيما دخلت هي في شرح صعب جعلني أصدق جديتها. قالت إن الصبية كانت في حالة سيئة جدٌا في ذلك اليوم الجمعة لأنها كانت قد حاكت مائتي زرار بالإبرة والكشتبان. وأن خوفها من الاغتصاب الدموي كان حقيقياٌ، لكنها الآن معدة للتقديم علي المذبح. وإنها في ليلتها معي استيقظت لتذهب إلي الحمٌام وإنني كنت حينها أغط في نوم عميق جدٌا، وقد شعرتْ بالشفقة عليٌ فلم توقظني، وعندما استيقظتْ في الصباح من جديد كنت قد ذهبت. شعرت بالإهانةة مما بدا لي كذبا لا طائل من ورائه. حسنا، واصلت روسا كاباركاس: وإنه رغم ذلك، فالصبية نادمة. المسكينة، تقف الآن أمامي. هل تريد أن تتحدث معها؟. قلت لها: لا، بحق الله.
كنت قد بدأت الكتابة عندما اتصلت سكرتيرة الصحيفة. الرسالة كانت أن المدير يريد أن يراني في اليوم التالي في الحادية عشرة صباحا. وصلت في الموعد تماما. ضجيج ترميم المبني لم يكن يبدو محتملا، كان الهواء مزعجا بضربات الفؤوس، وغبار الأسمنت ودخان القطران، لكن العاملين في التحرير كانوا قد تعلموا التفكير في رتابة الفوضى. مكاتب المدير، كانت علي العكس، باردة وهادئة، كانت تبدو في بلد مثالي غير بلدنا.
ماركو توليو الثالث، بملامحه المراهقة، عندما رآني أدخل نهض واقفا علي قدميه، دون أن يقطع حوارا تليفونيٌا، مد لي يده ليصافحني من أعلي المكتب وأشار إليٌ بالجلوس. ذهبت في تفكيري إلي أنه لم يكن هناك أحد علي الجانب الآخر من الخط، وأنه يقوم بهذه الحركة الهزلية ليقنعني بأهميته، لكنني اكتشفت فجأة أنه كان يتحدث مع المحافظ، وكان حقيقة حوارا صعبا بين عدوين محكوم عليهما بالتفاهم. إضافة إلي، أنني أعتقد أنه حاول أن يبدو حازما أمامي، رغم أنه في الوقت نفسه ظل واقفا علي قدميه بينما كان يتحدث مع السلطة.
يبدو عليه اهتمامه بهندامه. أكمل التاسعة والعشرين قبل قليل ويتحدث أربع لغات وحصل علي ثلاث شهادات عليا دولية، بعكس أول مدير تحرير قضي حياته كلها في منصبه، جده لأبيه، الذي مارس الصحافة بعد أن كوَّن ثروة من التجارة في الرقيق الأبيض. كانت له طبائع صعبة، كان يحاول دائما أن يبدو هادئا وجاداٌ، والشيء الوحيد الذي كان يكشف حقيقته تلك الرنة المزيفة في صوته. يرتدي جاكت رياضياٌ بزهرة أوركيد في العروة، وكل ما يفعله كان يبدو كشخص طبيعي، لكن لا شئ يبدو عليه أنه قابل للحياة في الشارع بل في ربيع مكاتبه. أنا، الذي أمضيت ما يقرب من الساعتين في ارتداء ملابسي، شعرت بعار الفقر مما زاد من حدة غضبي.
مع كل هذا، فإن السم القاتل كان في صورة بانورامية لمجموع العاملين التقطتْ في الاحتفال السنوي الخامس والعشرين لإنشاء الصحيفة، ومرسوما عليها علامة الصليب علي كل من مات منهم. أنا كنت الثالث إلي اليمين، مرتديا قبعة عامل محجر، وبربطة عنق بعقدة كبيرة بلؤلؤة في المشبك، وأول شارب يشبه شوارب كولونيل مدني أطلقته عندما كنت في الأربعين، ونظارات معدنية تشبه نظارات طلاب السلك الكنسي والتي لم أعد في حاجة إليها بعد نصف قرن. كنت قد شاهدت هذه الصورة معلقة لسنوات طويلة في مكاتب مختلفة، لكن في تلك اللحظة فقط كنت حساسا لما تعنيه: من بين الثمانية والأربعين من العاملين الأصليين لم يبق منا أحياء سوي أربعة، وأصغرنا يكمل عقوبة من عشرين عاما سجنا لارتكابه جريمة قتل ذهب ضحيتها عدة أشخاص.
أنهي المدير مكالمته، وفاجأني ناظرا إلي الصورة وابتسم. وقال: الصلبان لم أضعها أنا، وأعتقد أنها تنم عن حس سيئ. جلس إلي المكتب وغير من لهجته: اسمح لي أن أقول إن حضرتك الإنسان الأكثر قدرة علي تقديم المفاجآت. وأمام دهشتي، أعلن مسبقا: أقول هذا بسبب الاستقالة. لم أكد أقول: إنها حياة طويلة. رد هو انه لهذا السبب تماما إنها لم تكن الحل المقبول. لقد رأي أن المقال ممتاز، وكل ما قلته عن الشيخوخة كان أفضل ما قرأه في حياته علي الإطلاق، ولذلك ما كان يجب إنهاؤه بقرار يبدو وكأنه موت مدني. قال: لحسن الحظ، إن رجل التاسعة البغيض، قرأه عندما كان مطبوعا في صفحة الافتتاحيات، ورأي أنه مقال غير مقبول. ودون أن يستشير أحد شطبه من أعلي إلي أسفل بقلمه التفتيشي. وعندما علمت هذا الصباح أمرت بإرسال خطاب احتجاج إلي المحافظة. لقد كان هذا واجبي، ولكن فيما بيننا، أستطيع أن أقول لحضرتك أني أدين بالشكر لتسلط الرقيب. لأنني لم أكن مستعدٌا لقبول رفض المقال. لذلك أرجوك بكل روحي... لا تغادر السفينة في أعالي البحار. وأنهي حديثة بطريقة رائعة: لدينا الكثير لنقوله عن الموسيقي.
رأيت أنه مصٌر علي موقفه، إلي درجة أنني تجرأت علي زيادة حدة الخلاف بسبب مسلٌي. المشكلة، في الحقيقة، أنني لحظتها لم أجد سببا مقبولا لأترك الساقية، وأرعبتني فكرة الموافقة مرة أخري لمجرد كسب الوقت. اضطررت إلي الضغط علي نفسي حتى لا تبدو عليٌ علامات الانفعال التي تكاد تدفعني إلي البكاء. ومرة أخري، كما هو الحال دائما، اتفقنا علي بقاء الحال علي ما هو عليه بعد سنوات طويلة.
الأسبوع التالي، محبوسا في حالة ناتجة عن التشوش أكثر منها عن الفرح، مررت علي حظيرة البلدية لاستلام القط الذي أهداني إياه عمال الطباعة. علاقتي بالحيوانات سيئة جداٌ، نفس سبب علاقتي مع الأطفال قبل أن يبدءوا في تعلم الكلام. أعتقد أن أرواحهم خرساء، وليست أسماعهم، لكني لا أستطيع احتمالهم لأنني لم أتعلم التعامل معهم. أعتقد أنه ليس من الطبيعي أن يتفاهم الإنسان مع كلب أكثر من تفاهمه مع زوجته، وأن يعلمه الأكل والتخلي عن طعامه في ساعات محددة، أن يجيب عن الأسئلة ويشاركه في آلامه. لكن عدم استلام قط الطباعين كان يمكن أن يكون كارثة، بالإضافة إلي أنه كان قطاٌ جميلا، شعره وردي ولامع وعيناه مضيئتان، ومواؤه يكاد يقارب الكلام. وضعوه لي في سلة من القصب مع شهادة بأصله وكتيب لشرح كيفية التعامل معه، تماما كما لو كان دراجة هوائية.
دورية عسكرية كانت تتأكد من هويات المارة قبل تركهم يعبرون حديقة سان نيكولاس العامة. لم أشهد شيئا مماثلا، ولا أن أتخيل شيئا قاتلا مثل علامات شيخوختي. كانت دورية مكونة من أربعة، تحت إمرة ضابط مراهق تقريبا. أعضاء الدورية من أهل الصحراء، صعبي المراس وصامتين وتفوح منهم رائحة كريهة. كان الضابط يراقبهم جميعا بوجنتين محترقتين بفعل التعرض للشمس علي الشواطئ الأندينية. بعد تفحص هويتي وبطاقتي الصحافية سألني عن ما أحمل في السلة. قلت له: قِط. أراد أن يراه. رفعت غطاء السلة بكل الحرص حتى لا يهرب، لكن أحد رجال الدورية أراد أن يري إن كان هناك شيء آخر في داخل السلة، فخربشه القط. تدخل الضابط. قال: إنه نوع رائع. داعبه بينما كان يهمهم بشيء، ولم يهاجمه القط ولا حتى اهتم به. سأل: كم عمره؟، قلت له: لا أعرف. لقد أهدوني إياه علي التو. قال: أسأل حضرتك لأنه يبدو عجوزا، عشر سنوات ربما. أردت أن أسأله كيف عرف ذلك، وأسأله أيضا عن أشياء أخري، لكن طريقته اللطيفة في التعامل وحديثه الطلق لم يجعلاني أشعر بالارتياح للحديث معه. قال: أعتقد أنه قِط مهجور مرٌ بأوضاع سيئة كثيرة. عليك بمراقبته، فهو غير مرتاح لحضرتك لكن حضرتك مرتاح له، اتركه، حتى يكتسب ثقتك. أغلق الضابط السلة، وسألني: ماذا تعمل حضرتك؟. أنا صحافي. منذ متى؟. قلت له: منذ قرن من الزمان. قال هو: لا أشك في ذلك. صافحني وودعني بجملة يمكن أن تعني نصيحة كما تعني تهديدا:
احترس كثيرا.
فصلت خط التليفون عند منتصف النهار لأبقي منفردا مع الموسيقي في برنامج لذيذ: رابسودية الكلارنيت وأوركسترا فاجنر، بساكسفون ديبوسي والخماسية الوترية لبروكنر، التي تعتبر فردوسا ساكنا في أعماله. وفجأة وجدت نفسي ملتفٌا في ضباب المكتب. شعرت بشيء ينزلق تحت طاولتي لم يكن يبدو جسدا حيٌا بل حضورا غير طبيعي يلمس قدمي، فقفزت صارخا. لقد كان القط بذيله الجميل المنتفش، وبطئه الغريب وأصالته الأسطورية، ولم أتمكن من التغلب علي الارتعاش خوفا من البقاء وحيدا في البيت مع كائن حي إن لم يكن بشريٌا.
عندما أعلنتْ ساعة الكاتدرائية السابعة، كانت هناك نجمة وحيدة ولامعة في السماء الوردية، وأطلقتْ سفينة صافرة وداع حزينة، وشعرت باختناق كبير في الحلق لقصص الحب التي كان يمكن أن تحدث ولم تحدث. لم أحتمل أكثر من هذا. رفعت سماعة التليفون وقلبي يكاد يقفز من حلقي، ضربت الأرقام الأربعة الأولي ببطء شديد حتى لا أخطئ، وعند دقة الجرس الثالثة تعرفت علي الصوت. قلت لها بزفرة ارتياح: حسن يا امرأة، اغفري لي سخطي هذا الصباح. قالت هي بهدوء: لا عليك، كنت في انتظار مكالمتك. حذرتها: أريد أن تنتظرني الصبية كما جاء بها الله إلي الدنيا وبدون ورنيش علي وجهها. أطلقت ضحكتها الرنانة. وقالت: لك ما تريد، لكنك ستفقد لذة تعريتها قطعة قطعة، كما يحب كبار السن، لا أعرف لماذا يعشقون هذا. قلت لها: أنا أعرف لماذا، لأنهم يشعرون بأنهم أكبر سنا. وافقت علي كلامي.
قالت:
حسن، إذن الليلة في العاشرة تماما، قبل أن يبرد الصيد.

1  دقيق يصنع من جذور شجرة استوائية ضخمة يطلقون عليها اسم مانديوكا، قاموس ريال أكاديميا. (المترجم).
2  المملوكي هكذا يسمون الرداء المنزلي في كولومبيا وهو رداء يكون عادة من القطن الخفيف (المترجم).
3 الخيولي: يقصد شبه الخيول تعبيرا عن استطالة الوجه عند البعض.
4  نسبة إلي إقليم جليقية أو جاليثيا في الشمال الغربي من إسبانيا، ويعود هذا إلي أن معظم المهاجرين الأسبان في أمريكا اللاتينية ينتمون إلي هذا الإقليم.، وكثير منهم من المبشرين الكاثوليك (المترجم).
5 كلمة المية بدلا من المائة مقصودة في الترجمة ،لأن الكاتب حاول أن يدلل بها علي أن دميانة لم تكن تجيد الكتابة فكتبتها خطأ في النص الروائي. (المترجم)http://www.jehat.com/Jehaat/ar/AlBustan/gabriel.htm

(0) comments

فراديس الوحشة شوقي بزيع

فراديس الوحشة

تترامى شمسُها الخضراءُ عن بُعْدٍ
وتنأى في الدُّخان
أبداً يرتدُّ عن أبراجها الطَّرْفُ
ويعلو جذعَها المكسوَّ بالحسرةِ
صَمْغُ الهذيانِ
شاخصاً من فُرْجَةِ القلبِ
إلى فوَّهةِ البئرِ التي تغسل بالأهدابِ
أقدام بُخارى

قلت للطفلِ الذي فيَّ:
انتظرْني
ربما أبلغ في خاتمة الرحلةِ
ما لم تطأ الأحلامُ من قَبْلُ
ولم تَمْسَسْ يدانِ
وتوغَلتُ بعيداً في السماواتِ
التي تفصلني عن برقها الخائرِ،
صادقتُ مفازاتٍ
وودياناً
وصادقتُ بقايا أنهرٍ
أخمدها الوقتُ
ولم يأخذ بأيديها إلى برِّ الأمانِ

لم يكن ليلٌ لأدعو نجمهُ
بوصَلَتي في التيهِ،
أو فجرٌ
لأستقوي بما يركض من أفراسهِ
في الغبش الفضيِّ،
لا ماضٍ لكي أمضي
ولا مستقبلٌ كي أُرهف السَّمْعَ
إلى الريح التي تفتضُّ كالسِّكينِ
أحشاء الثواني
مَنْ أذن يهتف لي
من خلف هذا الحائط المجهولِ،
مَنْ أثْخَنَ رأسي بالإجابات
التي ينخرُهُا الشكُّ
وصدري بالنياشين،
و مَنْ أطلقني كالمخلبِ الخاسرِ
في هذا الرِّهانِ؟
منشباً أوردتي العزلاءَ
في ما غيَّض الرملُ من الأفئدة الظمأى
وما يخفقُ كالغربان
في ليل الحيارى
رحتُ أستقرئُ صبَّار العذاباتِ العدائيَّ
الذي ينزفُ
مثل القنفذِ المخمورِ
من جلْد الصَّحارى
فتبدَّى لي، كمن في نومه يبصر،
شيخٌ، كنتُ قد عايْنتُهُ من قبلُ

في صورة أسلافي البعيدين
ومن غاصوا إلى اللُّجةِ
مثلي،
قلت: هل تعرفُها
هل تعرفُ الدرب إلى شمس بخارى؟
وإلى الباب الذي ينشقُّ
عن أمواجها الزُّرْقِ،
وهل يتسَّع العمرُ لكي أبلغها يوماً
وتُعشي ضوءَ عينيَّ
المناراتُ العذارى
قال: إني عائدٌ منها
ولا شيء بها مما تظنُّ

ليس في هذا المدى الأجوفِ
إلا رممٌ منهوبةُ الاسمِ
وفَخَّارُ عظامٍ بَلِيَتْ من شدةِ القَيْظِ
وأقدامٌ تئنُّ
ما الذي أفعلُهُ
في قلب هذا النفقِ الموحشِ،
قلتُ،
وأنَّى لي أن أرى
أبراجها الغرقى
ولا نار لكي يسترشد الأعمى،
ولا نَأْمَةَ،
لاشيء سوى رَجْعِ سعالِ
البشر الفانين

والأيدي التي صارت غباراً
هي ليست في مكانٍ أو زمانٍ
أو أوانٍ تمتم الشيخُ،
هي الخمرُ التي نفقدها
في ذروةِ النشوةِ،
طَعْمُ القُبَلِ الأوَّلُ،
برقُ الشِّعر في الرأس،
الشِّتاءات التي تُعْوِلُ
في خطِّ استواءِ الروحِ،
والماسُ الإلهيُّ الذي ما أن
يعرِّي وهجه المجروحَ
للأعينِ
حتى يتوارى

كلٌّ من يبحثُ عن لَيْلاه
في الهاجرةِ الصَّماءِ
أو يصطكُّ كالمقرورِ في بريَّةِ
الفقدانِ،
أو يبكي على أندلسٍ ضاعتْ
يسميِّها بخارى
بِمَ أستهدي إذن
في ذلك التيهِ المرائي
بِمَ أستهدي،
أنا القاطع خلفي
كلَّ ما يربطني بالأرضِ
والدائرُ مثل العقربِ الأخرقِ
في هذا الهباءِ

أتحرَّى على يدٍ يومئُ لي من خلفها
ياقوتُها الغاربُ،
عن صَفَّيْ قبابٍ
تتهجَّى صدرها الغضَّ
بلا جدوى
قلا أقواسُها بانتْ
ولا الريحُ التي استصرختُها
رَدَّتْ ندائي ………….
فجأةً،
بعد اشتعال الشَّيْبِ في الرأس
تجلَّى وجهها المشروخُ كالمرآةِ
في قلب العراءِ

هارب الأطيافِ
للأرض التي غادرتُها
في مطلع العمرِ
وللماضي الذي يشهقُ كالينبوعِ
في أقصى دمائي
وتَلَفَّتُّ،
لعلِّي مدركٌ أنقاضَ
مَنْ أوْدَعْتُهُ كنز انتظاراتي
وأسمال اشتهائي
فإذا الطفل الذي في داخلي
قد شاخ
والشمس التي أقصُدُها باتت ورائي

 

 

 

 

 

 

(0) comments

مقطع من قصيدة مرثية للغبار شوقي بزيع

شوقي بزيع

مقطع من قصيدة شوقي بزيع الفائزة بجائزة سوق عكاظ لهذا العام.


هيئوا لي ثلوجا على قمم الأربعين
وشوكا لكي ينحني جسدي فوق صباره المر،
واستمعوا للخريف
الذي تتعاظم صفرته
في أقاصي الذبول
ولا تعدوني بشيء
سوى ما تزين لي وحشتي من كوابيسها
وارفعوني قليلا
لأشهد قصدير روحي
الذي يلمع الآن فوق سطوح المدن
وارفعوني قليلا
لأسند خابية العمر فوق الحصاة الأخيرة
فمن ألف عام أسير
ولا أجد امرأة
تشتري كبريائي الممرغ بالشوق،
أو تتبنى سقوطي على ركبتيها
كسرب من الأودية
كيف لي أن أرمم فخار صدري
وأكسو دمي بالهشيم
الذي يوحد مراياي في جنة ماضيه
كيف لي أن أقود مظاهرة من خطاي القديمة
نحو الصبي الذي شاخ في داخلي
أن أناديه من عتمة الأقبية:
هل أنا أنت؟
أم نحن وجهان لا يجريان إلى غاية
أو هدف
ومن نحن؟
من يصرخ الآن فينا: الظلال أم
أننا نقطة المنتصف
بين ما لا يجيء وما لا يعود؟
وهل نحن فاصلة بين حربين
أم وحشة تتدحرج نحو سديم النهايات؟
يا ولدا كنته قبل ثلاثين عاما أغثني
رد لي شفق السنديان
الذي كنت تركض بين ذراعيه،
أرملة البيلسان المشرد
والسنبلات اليتامى

جريدة عكاظ 25/8/2010م

(0) comments

الخمسينيونن

الخمسينيو ن

عامر عجاج مهداة الى الدكتور محسن الرملي الخمسيني ايضا

 

المتحدون بين أرقام أعمارهم بلهب سنين مضنية وبين سنين تولادتهم،يستحقون أكثر  من أن يجمعهم كروب على صفحات الفيس بوك أو منتدى يؤسسوه أو مؤسسة مجتمع مدني لا علاقة لها بالشفقة أو توزع مجانا الأغذية والطحين  والحمص،  أكثر من خمسين مأساة (في التراجيديات الرافدينية المستمرة)تحفهم كدبابير عنب حلو جائعة،لم يكن أيوب أمام الكثير منهم إلا رجل مرض ثم شفي(هل دخل كلكامش ساعة من معاركهم القاسية أو رأى المفخخات التي لحقتهم بعد معارك الحدود؟ راضعو حليب السباع من أثداء سعال  منفوشة الشعر،ابناء العواصف السوداء والحربين اي سهو اقع به بل الثلاث حروب،اه يالجهلي؟الاربعة،ابناء الحروب التي دون حد ،لم تعد الأعضاء الخفية تجتذب اهتمامهم لكثرة ماخبروها،مجدفون بمراد قوية في مهيلات وشخاتير تسير على مهل في أهوار المصائب،ريح هجمات الهاونات تلحق بهم زمهريرا لايستطيعون الاحتماء منه،عقارب أجسادهم لاسعة دون هوادة، ينشرون شعورا أمام الريح يمينا وشمالا كطقس لنزول أمطار آمالهم كما الراقصات دون جدوى، 

 

رماد أجداث الجنيات المحترقة على أبواب حرست بصحون نذرية،  مرتجلو معلقات الفجائع ومرتلو توراوات الأمل،الخمسنيون فتات موائد حروب السياسيين القذرة، والخبز المر في أفواه المتشدقين، باذري حنطة الزقوم في أراضي الألم الممتد، ساكنو شقوق المعارك ومواضع الضغينة على حرب تبرق غيومها مخيفة لكن دون مطر أبناء رياح الجنوب الخانقة،، اللائذين بالأضرحة بعد تراجع الفحولة،مرتادي عيادات الأسنان حديثا من اثر عضات لحوم القصعات غير معروفة المصدر، النواسيون التائبون ومحيي أم كلثوم وفيروز سرا خوفا من قتلة حافات المدن، وسليلي صحراوات الإقطاع. الخمسينيون نغمة عتابا في حنجرة الزمن، وسفينة نجاة في هور يابس إلا من اسماك ميتة ،مكتشفو الألم وملاكو البوار ، عندما دلتهم حليلاتهم على بصيص أمل وجدوه ممرغا بدم حروب مستمرة ،وعندما عادوا  ليرتووا بعد مسيرة شاقة بين نهر جاسم وبنجوين  وجدوا الحباب فارغة  إلا من آمال بطعوم مرة،زارعو حنظل الخيبات في فياف وسباخ ،ماءهم من آبار الندم مجلوب،أي الم ممض يتناب قلوب الخمسينيين الكليلة وأي عمى ينتظرهم؟ خيالات الجثث على البغال تقارير الرفاق السيطرات ضيق ذات اليد الحبيبات اللواتي انتظرن كثيرا أقفاص الأسر، ظلال لاتحمي لصفصاف العقم ترافقهم.

رطب النخلات الطوال عصافير الشجن المر، الفيروزيون ومحبو داخل حسن، بنت الريف ومجاميع الجوبي عند باحات الأضرحة،وأصحاب صعديت فوك العالي لن سبع زبيد اكبالي تسوين ألفين ومية آه يبنية الملالي

نايات بانين بحة جنوبية، وموالات لحظات الفراق يهوون الوداع الذي به جلادة،يودعون أحبتهم على سفوح الجبل، وتاركي جثامين أمهاتهم تذهب دون وداع،الخمسينيون أكواخ القصب وبيوت الطين ،قامات حور وسنديان، نسمات آب في أواخر الليل،ترنيمات الأطفال وألف دللول سومرية، قارئو اكف بارعين،حافظو أبوذيات فطريون ومنشدو زهيريات دون تكلف، لابسو عقال ،وبدلات غربية باربطة ودبل كفة، صرمبارية ونكرزة، ملقو نكات جيدون ومجالسي دواوين رصينة، محبو كرة وورق لعب وطاولي ،من الجارلس إلى القمصان الملونة ارتدوا، مدخنو الروثمان والمزبن واللف، محبو ياس خضر وحسين نعمة، لم يكونوا من جيل سيد درويش واطلوا قليلا على محمد عبد المطلب لكنهم شغفوا بعبد الحليم  والسيدة، قراوا الموعد والشبكة بيروت المساء ،العربي والمجلة، لم يكونوا يصدقون أن يحققوا الهدف 2000، مترجلين من صهوات حروب متواصلة راكبو حروب جديدة اتصال الحروب يعطي لذاكرتها طعما مملا من أسراب نخل متصلة على شواطئ الغراف أو من على ضفاف سورا، يحاولون نفض غبار حروبهم دون جدوى حروبهم ظلال دبقة  ترافقهم دون حياء،تشم ذاكراتهم المحترقة طعوم الخنادق الهزائم الإذاعات المتورمة  بالكذب أعضائهم المبتلة بين أفخاذهم تنظيرات مسؤليهم في أحزاب بأفكار محنطة تلاحقهم اصطلاحات اليطغ،الانضباط،السيطرة،القصعة ،الواجب،الإنذار الصباحي،والإجازات،تلاحقهم دون فكاك،أيديهم منشغلة بنفض غبار الحروب،دون جدوى فدائما ثمة هناك من يدندن بأغاني الحروب العفنة  ،موسيقاها تتعلق بأذان تضعف رويدا،

من عذوق آب يخرجون متجهين إلى كراجات العذاب تاركين الأعياد مشتعلة الولائم ،ليتمترسوا في خنادق حدود رسمها المستعمرون لتصبح مقدسة ، نبط وفرسان سوراويون وغرافيون عراة الأفكار ومحتشمون كاتبو قصائد نثر وتفعيلة،منشدو أبو أذية وملاحم من بقي منهم ينظر بحسرة إلى شلل تابعة ذليلة تحترف القتل بادعاء وجود سبب، ولاسبب إلا إدمان صور من معاركهم ففي الحرب تقتل الذي لاتعرفه.متذوقون بارزون للكوكلة والشيصمالله صاعدو نخل من الطراز الرفيع مع تبليات ممزقة،

الخمسينيون يسيرون في موانئ العدم بأشرعة ممزقة فمن ياترى بشير إليهم غدا؟

 

(3) comments

اطياف وجدة شوقي بزيع

أطياف وجدة
        

 شوقي بزيع 

نهران من ظمأ وخوف،
وردة نبتتْ مصادفة
على خط القوافل،
مهبط مستوحش للطائرات
تحطّ ثم تعود مسرعة إلى الأعلى،
انزلاق يد على جسد
من الأخطاء "وجدة"،
لم تزل من ألف عام ترتدي صحراءها
وتحالف الأسوار
كي تنجو من الريح العدوّة،
غير أن غزاتها تعبوا
ولم نتعب
وما برحت تصيخ إلى قطارات
ستخلف وعدها دوماً
وترحل باتجاه الشرق
ما برحت فنادقها تعدّ الشاي بالنعناع
للعشّاق لا يأتون،
والصلوات لا تكفي ليرفعها النخيلُ
إلى سماء ما
ولا يكفي البخورُ
لكي يقلّ دموعها نحو المحيط
فمن يصدّ الملح عن أطرافها
ويضخّ في "زنقاتها" الخرساء
أسئلة تصالحها مع الأسمنت
أو رئة
تصالحها مع النسيان؟،
هذا المركب المذبوح في بحر الجزائر
لا يجيبُ
ولا الغيوم على الجبال
تظلّل الأموات والنفط المهرّب
من محاجر تلمسانْ
نهران من ظمأ وخوف
ينهشان عروق وجدة كالأظافر
ثم ينتحبان في صمت
على الأبواب،
ليت لها يديْ مراكش الحمراء
كي تبني من الآجرّ
تمثالاً لعزلتها المقيمة،
أو غروب الشمس في "فاس"
لتغسل صدرها الذهبي
تحت قباب ماضيها
وترتجل الأذانْ
لكنها ليست سوى نصب
لأزمنة مضتْ
أو صرخة مرفوعة ضدّ الطبيعة
لا تصيبُ حقيقة غير الفراغ
ومرفأ غير الدخانْ
من أين يأتيها الغريب إذن؟
أقول،
ولا أرى حجراً يدل على منازلها
ولا أثراً لسيف "الزير" "2"
يدرأ عن مبانيها القراصنة الأوائل،
لا أرى سمّارها
في حلقة للأنس
أو شعراءها في المهرجانْ
قطع من الصمت المريب تجوب هدأتها
تلصق بالنوافذ
كلما اقترب المساء،
كأنّ أجنحة تطير بلا انتهاء
فوق ساحتها اليتيمة،
أو كأن خطى مغاربة سماويين
تدفعها على مهل
وتجعلها ظلال مدينة أخرى،
فأنّى لي أن أعرّفها
أنا الرحّالة الأعمى؟
وهل لي أن أصدق ما تلامسه يداي
من الزخارف والنقوش المغربية؟،
قلت: لا جدوى إذن!
سأعود من حيث ابتدأتُ،
منقّباً فيما وراء الاسم
عن معنى يخضّ دمي
كعاصفة من الخشخاش،
عن أرض بلا متنزّهين
تدور بي كالبحر فوق سفينة المجهول،
حيث، كمن تضاء له المدينة
في المنام،
تقدّمت نحوي يد أنثى
وطافت بي ممالك
لا يرى منها المسافر
غير برق أحمر الأمواج
يعدو بي وأتبعه
ويعدو بي وأتبعه،
فراشات من العبق اللذيذ
تطير في صدغيّ
لا تلوي على شيء،
دموع كارتعاشات النجوم
تسيل من ماء الحياة العذب
ثم تذوب في الأطراف
كالخدر الشديد
وأعود مما كنت فيه
فلا أرى الأنثى
ولا أجد المدينة،
بل سراباً جامداً يمضي
ويومئ من بعيد
لا شيء
إلا ذلك الوجد الذي زرعتهُ
في الأحشاء وجدةُ
قبل أن تنجو
وتتركني وحيداً من جديد

  
منشورة في مجلة العربي الكويتية العدد493 ديسمبر 1999


 

(2) comments

كيش

كيش

عامر عجاج حميد .جامعة بابل

 

تثير مشاهد وصور نشرت حديثا عن موقع كيش في احد المواقع الالكترونية شجنا بجوانب عدة وأي شجن لايكون متعدد الأبعاد،كيف يمكننا النظر إلى مثل هذا الموضوع؟ ومن أي زاوية؟هل من زاوية قلة احتفالنا بكنوزنا مع شدة احتفال الآخرين بها ولماذا؟وهل من الضروري الانتباه إلى ماتحت سطح أرضنا ليس  آبار النفط فقط بل  كنوز الآثار المهملة،وليقولوا مايقولون ،فليس ماكوبر جبسون سوى مستعمر بلباس أكاديمي وعندما درس كيش في دراسته العتيدة لم يكن يهدف إلا إلى تأشير أمكنة للمدفعية البريطانية. أما أبو سديرة وأم الويلاد فهن علويات حلمت نساء المنطقة بهن ويدفن الأطفال الصغار عندهن، وفي العيد يذهب الصغار لزيارتهن،أي معيار للفخار انتجه لمعرفة عصور السكنى فيها ليست سوى (كحوف )حباب وقلالي ماء وقطع فخار مثل التي رأينا عند بياعات القيمر. هكذا إذن الموضوع وبكل بساطة‘ أما مايكل ادامز الذي مسح مجاري الأنهار لمعرفة أمكنة السكنى فيها عبر  العصور المختلفة ،والذي تناول الموضوع في كتابه أطراف بغداد ،الاستيطان في سهول ديالى ،فهو شخص ربما يفكر في حفر انهار لري أراضي ميسوبوتاميا،من جديد على خطى مجاريها القديمة، في احتلالهم القادم فبعد مئة سنة من احتلالهم الثاني ربما يعودون في احتلال ثالث في 2103، مالذي فعلناه،لكي نمنع احتلالهم، هم يحتلون ويكتشفون ،مالذي تنظره أنت ،وأي شيء تقول تعال عندي ولنتبادل الرأي ألا(تبصرني)؟لماذا هكذا هم ربما لاتهم يحترمون مثل كيش لأنهم يفكرون بعقلانية خارج نسق التنجيم والخرافة ولأنهم يعرفون ماهية التاريخ ولانهم يعرفون كيش، ويحترمون أول ملوكية نزلت بعد الطوفان، وما يدهش هو مشروعهم لكيش المستقبل ،لكن أي مستقبل لكيش ،قال صاحبي والجمع مندهش لحكايته ،كيف أن الرعاة كانوا بقطعانهم عند الاحيمر (زقورة كيش)بتربتها الحمراء يرعون فوجدت راعية صغيرة عمودا من الذهب وصعقت لفترة بعد ان وضعت عباءتها عليها،لتدلها عند العودة، ثم هرعت إلى أهلها لتخبرهم  عن الكنز الذي وجدته وعندما جاءوا معها لم يجدوا سوى عصاها مركوزة في التل ،منذ 1920 إلى 1930 وبمواسم متتالية يدفعون دراهم معدودة لرجال وفتيان، لرفع التراب في عربات على سكك تشبه ما ماهو موجود في المناجم ويسجلون كل شىء لكن المشكلة الآن يرونها في أنهم اهملوا بعض الكسر الصغيرة غير المهمة والتي  يرى العلماء الآن انه يمكنه الاستفادة منها ،ليس من واجب الحكومة المحلية بسياراتها الفارهة أن تسال عن كيش فربما تكون اختصاصاتهم واهتماماتهم بعيدة عن الموضوع،والجامعة بعيدة عن الموضوع فهو يخص الإنسانيات التي يجب أن نكون اقل اهتماما بها  ونهتم بالجوانب العلمية الصرفة أما سمعتم أننا اخترعنا بقة دون إبرة تلسع، وبرامج حاسوب صدرناها للعالم. ترى الايحق لطلابنا أن يقضوا موسما في إحدى تلال كيش ليتعلموا بعض أساليب التنقيب ،ألا يفكر احد في أخذهم إلى سفرة علمية في بور سبا  (برس)، الايحق لهم ان يدرسوا بعض معطيات ماكتبه الكفرة عن كبش، ليعرفوا تاريخهم الذي يعشقه الآخرون،حد التقدم للزواج ،أن مشروعهم المستقبلي لها هو جمع المادة المؤلفة من مئات التقارير وآلاف الصور ومئات اللقى الاثارية، لتصنيفها والخروج بنتائج علمية عنها وإعطائها إلينا ،لكن هل رأيتم أحدا يترجم مايكتبون عنا وبمحبة،أو يوجه القائد العلمي والإداري بذلك،لكي نرى وجوهنا الموهنة بمرايا بحوثهم ،مستقبل كيش عندهم ونحن نخرج مئات  من الذين يحملون شهادات البكالوريوس في التاريخ لايهمهم أين تقع كيش،  ومئات المترجمين والاثاريين لكي يجلسوا مع العاطلين،لااعتقد أنهم يتعلمون شيا خارج الحفظ والاستظهار ثم النسيان بعد مدة،دعوة لكي نعرف كيش الرمز والأسطورة فهي في النهاية كيشنا لكنهي الآن كيشهم.

 

(0) comments

مطير اباد هل تم الكشف عن موقع بلدة اسلامية؟

مطير ابادهل تم الكشف عن موقع بلدة اسلامية

حفلت مدونات التاريخ الإسلامي بأسماء عشرات المدن والبلدات ألتي طرزت  ضفاف       أنهاره الرئيسة دجلة و الفرات و فروعه مكونة تجمعات مدنية و ريفية و استمرت أسماءها و آثارها منذ أقدم العصور ولحد الآن .

ومن الملاحظ أن البحث ألآثاري الحديث استطاع معرفة أسماء و أماكن العشرات من المدن و البلدات في العصور القديمة المختلفة منذ العصور السومرية القديمة و حتى عصوره الأكدية        و البابلية و غيرها من العصور0

 و من الملاحظ أن معرفتنا بأسماء المدن والبلدات القديمة و أماكنها هي معرفة جيدة نظرا لاستطاعة علماء في العصر الحديث من حل ألغاز اللغات القديمة و بالتالي معرفة المعلومات المدونة عليها فتجدنا نجد عشرات المدن و أسماءها و الأحداث التاريخيةالتي جرت على أرضها و الملوك الذين حكموها وغيرها من المعلومات المختلفة0 أن ذلك يرجع إلى نوع المادة ألتي دون العراقيون القدماء معلوماتهم عليها و هي الطين المشوي ألذي استطاع الصمود بوجه عوادي الزمان. ولا نزعم أن معلوماتنا العلمية الحالية متكاملة في هذا المجال بل أنه اوضح الكثير من أسماء المدن ألتي لم تكتشف مثل مدينة أكد و غيرها.

أما في العصور الإسلامية فتوجد مشكلة في أن الكثير من البلدان و المدن ذكرت في أحداث و مدونات التاريخ الإسلامي إلا أنه غير محددة الواقع ومن هذه المدن القريبة من الحلة مثلا : قصر     ابن هبيرة , سورا ,سوق بني أسد , شاهي باخمرا بربيسما احمد اباد خطرنية العقر قنطرة القامغان السيبين الوقف وفي مناطق وبلدات شط النيل ومنها قيلوية التي وصفت بانها تقع بين الحلة ومطير اباد وواسط مرزا باد التي تقع قرب مطير اباد وك\لك المباركة التي حدثت عندها المعركة المعروفة بين الخليفة المسترشد والامير المزيدي دبيس بن صدقة بن منصور بن مزيد سنة 517هجرية والمنقوشية وزاقف والدور والسيران والاميرية وبزيقيا وغيرها 0

     مما يصعب تحديد امكنتها    خاصة إذاعرفنا انقطاع السكنى في مثل هذه الأماكن بعد حدوث تحولات لمجاري الأنهار0

 حيث من المعروف أن السكن يكون غالبا على ضفاف الأنهار و سبب تحول مجاري الأنهار هو بحسب نظرية الإهمال و تراكم الطمي , أما النظرية الأخرى فتتعلق                                                بما يسمىبا التنشيط الحركي التكتوني فترتفع قيعان الأنهار فتؤدي إلى تحول مجاريها و حصل ذلك في المناطق بين سامراء و بغداد وفي مجرى نهر دجلة حيث إن أسماء مدن عديدة بقيت دون تحديد أو أنها تركت مثل أوانا و الحظيرة عكبرا  و كذلك في منطقة النهروان حيث مدن أسكاف بني الجنيد و مدينة النهروان و جبىا و غيرها . أما موضوعنا فهو عن البلدات الواقعة على شط النيل و الذي تقع عليه مدينة النيل العاصمة للإمارة المزيدية قبل تأسيس مدينة الحلة . حيث ذكر ياقوت أن على هذا النهر المندثر حاليا كانت تقع أكثر من 400 قرية آهلة حيث كان يمتد بين صدره شمال مدينة بابل الأثرية و نهايته في دجلة شمال مدينة واسط و عليه العشرات من المدن و البلدات و منها مطير آباد ألتي نبحثها الآن .

أنكر بعض المحققين المعاصرين وجود مثل هذه المدينة و منهم المرحوم محمد بهجت الأثري عندما علق على ماقاله ياقوت الحموي عن الشاعر ابن جيا   قال انه لايوجد مايعرف بهذاالاسم شئ من القرى او البلدات او الدساكر  والظاهر والقول للاثري انها ضيزناباد وهو موضع بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق0

 اما المرحوم عباس القمي في الكنى والالقاب فشك في ان المعني بها المطيرة التي كانت تقع  قرب سامراء  لكن ابن ألاثير في كتابه الكامل في التاريخ و ابن الجوزي في كتابه المنتظم ذكراها في سياق الأحداث التاريخية  فقد تعرضت هذه البلدة للنهب زمن إمارة دبيس بن علي بن مزيد سنة 420هجرية/1029م على يد قبيلة خفاجة . وفي سنة 449 هجرية وقع فيها وباء شمل مدنا مجاورة لها حيث كان يخد للعشرين في زبية فيلقون بها0 وتوفي بها الرجالي المعروف النجاشي صاحب كتاب الرجال ودفن فيها في سنة 450 هجرية وفي عام 461 هجرية استدعى الخليفة القائم بامر الله احد الاشخاص الذي يبدو انه كان مهما من ال عبد الرحيم الى الفلوجة وكان مقيما بمطير اباد  و في سنة 474 هجرية توفي فيها الأمير أبو الأغر دبيس بن علي بن مزيد ان هده الاحداث والقرائن تدلل على اهمية ما لهده البلدة0

. وقد أختلف في تسميتها فسميت أحيانا مطار آباد و المنسوبون إليها المطار آبادي أو مطر آباد0

من هنانجد ان غموضا يكتنف التسمية فهي موجودة في بعض الاحداث التاريخية مفقودة في المعاجم البلدانية والجغرافية فراينا اهميتها ففي اتخاذها مقرا من قبل بعض الامراء المزيديين قبل تاسيس مدينة الحلة ومنهم الامير دبيس الاول بن علي بن مزيد الذي دفن فيها الى موت ودفن الشيخ النجاشي بها لكن اين تقع مطير اباد

 

عند الرجوع الى نص سهراب المهم في كتابه عجائب الاقاليم السبعة عن النيل ومايمر به من مدن وبلدات حيث يمر النيل النهر بعد مروره بصابرنيثيا التي تقترح ابو سديرة الحالية يمر بالنواعير والناعور معروفويسمى احيانا الدالية وهي وسيلة لرفع المياهبوسائل بدائية لارواء اراض عالية لايمكن ارواؤها سيحا ومن النواعير يبدا نهر سماه صراة جاماسب الذي قال اجبسون في كتابه مدينة كيش ومنطقتها ان خيط زبار النهر المندثر الذي يعرف بذلك الان يطابق وصف صراة جاماسب ويرى جبسون كذلك ان المدينة الكبيرة التي تقع عند تقاطع نهر النيل مع خيط زبار والتي تدعى الان بقاياها بابو حطب التي هي ايضا كيسورا البابلية تتفق مع وصف سهراب بانها النواعير لكن لانجد ذكرا لمطير اباد وهنا لابد من البحث عن مصادر اخرى قد يمكنها اسعافنا 0

ان اشارة عرضية في كتاب ادبي وليس تاريخي وهوديوان الشاعر حيص بيص يمكنها ان تعطينا دليلا احتماليا على موقعها الذي يمكن ان يكون نفسه النواعير حيث انه من المعروف انه يمكن ان يكون للمدينة اكثر من اسم 0

كان هناك امير من ال نصر بن قعين يعرف بحسن المضطرب اراد ان يعطي للشاعر حيص بيص مايعينه على الزمان فقال له

اني بت الليلة مفكرا في عجزي عن اداء حقوقك والقيام بواجبات خدمتك ولم يحضر لي من العين ولا من الورق ماصرفه في معونتك على الزمان فانتهى بي الفكر الى ان عينت لك من ملك لي وتناية تخصني دالية يحصل منها مقدار القضيم للكراع فامتنعت عن قبول ذلك 0ويبدو ان الامير اصر على اعطائه الدالية في ملكه لاطعام مواشيه واستدعى كاتبا شرعيا ليوثق ذلك رسميا ويشهد على ذلك شهودا وقال تلك الدالية برسم قضيم الخيل وقد عينتتها على حد ملكي بمطير ابادوهنا نجد ان ملك الامير بمطير اباد وان الدوالي أي النواعيرقد اقترح موقعها و\كرت في نص سهراب وبما ان هناك ربطا بين ابوحطب والنواعير اقترحه جبسون فلما\ا لاتكون هي نفسها مطير اباد اذا وجدنا دليلا اخر يسوغ استخداد النواعير ان ميمكن ان يلاحظ في الفلم الوثائقي هي اكوام التراب في مقدمة النهر المقترح كصراة جاماسب أي خيط زبار الحالي وهو يؤشر جهودا مضنية لمحاولة حفر مقدم النهر لاعادة احيائه لارتفاع   الارض وقلة الماء وفي زيارتنا الميدانية الى المنطقةسنة 2001صحبة الدكتور ابراهيم سرحان المختص بالاثار الاسلامية ومعاون عميد كلية الاداب حاليا والدكتور يوسف كاظم جغيل الشمري التدريسي في كلية التربية جامعة بابل لاحظنا الفرق بين الجهة اليسرى من النهر مقارنا باليمنىحيث اليسرى اكثر ارتفاعا والذي يسوغ استخداد النواعير فيها مع العثور على مسامير عريضة النهايات ورغم ان المسامير ليست دليلا نهائيا على وجود النواعير  الاان الارتفاع في الجهة اليسرى للنهروالبقايا الترابية الضخمة الباقية في مقدم صراة جاماسب الذي يدعى خيط زبار حاليا ترجح براينا استعمال النواعير لذا سماها سهراب النواعير ان وجود قبة مخروطة شبيهة بقبة مشهد الشمس وقبة الكفل وعند ربطنا ذلك بالاحداث التاريخية ربما يعطينا ادلة مضافة على انه يكون ربما مطير اباد فهناك اشارة اوردها الهروي المتوفى في611هجرية في كتابة الاشارات الى معرفة الزيارات الى ان مقاما للامام موسى بن جعفر مقاما فيها وفي مطار اباد كما سماها ابن عنبة في كتابه عمدة الطالب في انساب ال ابي طالب يسكن ال مصابيح وكان

وا فرعا من السادة العلويين يدعون بالحطب ويقال لولده بنو الحطب من عقب زيد الشهيد عليه السلام كذلك نذكر با الاشارة الى وفاة الامير نور الدولة دبيس بن علي فيها وكذلك وفاة النجاشي فيها لذا نجد احتمالات عدة لما يمكن ان تكون عليه هذه القبة0

لذا ومن هذا المنبر يمكن  التذكيرب ضرورة تشكيل فرق بحثية اكاديمية تتحرى عن مواقع البلدات والمدن الاسلامية التي ذكرتها المدونات التاريخية ولايعرف مكانها مع رسم خرائط لمجاري الانهار المتحولة ومواقع البلدات عليها مع الاستعانة بالتقنيات الحديثة لذلك لانه ومما يؤسف له ان نجد ان اهم الدراسات في ذلك هي دراسات اجنبية بدءا من لسترنج الى مايكل ادامز الى جبسون وكذلك نذكر بضرورة جمع المصادر التي تخص المنطقة والمكتوبة بلغات اجنبية ومحاولة ترجمتها الى العربية بالتعاون مع مؤلفيها ومحاولة استضافتهم والاستفادة من خبراتهم وشكرا0

  

 

 

 

 

(0) comments

اوراق من ايام اخرى سابقة واولاد حارتنا

15\6\1981

الأيام العادية تمر . بعد الرابعة بقليل الاستيقاظ إنذار وبعد انتهاء الإنذار في الخامسة الرجوع  الانسحاب إلى القاعات بعضنا ينام حتى يأتي الشاي والحليب ثم العودة للنوم أو الثرثرة ثم الصافرة في السادسة و النصف شغل .. البناء أو عمل كبرة أو عمل بلوك حتى مجيء الأرزاق في العاشرة أو قبلها و التدافع من أجل الحصول على كيلو خيار أو كيلو طماطة و الريوك . كنا عندما كان الآمر هاشم محمود عبد الرحمن موجودا نخرج شغل في الحادية عشرة حتى الواحدة حيث القصعة لكننا الآن بعد الشغل الصباحي نخرج  في الرابعة للشغل حتى السادسة . يتخلل ذلك واجبات في النقاط أو الذهاب إلى الهيبة أو إلى رانية. في الظهر اليوم ذهبنا للسباحة في الوادي ماء صاف وجار ولطيف ولكن ارضه غير جيدة حيث الصخور و الماء غير عميق جدا ولكنه يغطي الشخص ما يجعل الأيام غير عاديةهو قرب الأجازة حيث يبدأ التخطيط لما قد يفعله الشخص . وغدا أنشاء الله إجازاتنا . البارحة في الثانية عشرة إلا ثلث و أنا في الواجب سمعت إطلاق نار كثيف أولا دوي هائل اعتقد أنه لقاذفة أو هاون ثقيل ثم تبعته كلاشنكوفات صلي و ثم المدرعات استمر حتى الثانية عشر ة و اعتقد في جوار قورنه( الزوايا الأربعة ) أو في كاني ماران . 

25\5\1981

الاعتراف لأرتور لونرون قرأت حتى ص45 ومللت . الجو حار وأنا داخل النقطة لتفادي حرارة الشمس و رسالة من فاضل . انتهيت من قراءة أولاد حارتنا وددت لو أنني جمعت ما جاء إلى ذهني من أفكار بشأنها لكتابتها ولكنها دخلت (أي الأفكار ) في أوقات متفرقة أثناء القراءة والآن تفرقت و الكتابة الجيدة في كل وقت شيء صعب . البارحة مساءا بعد العاشرة وددت لو أن هناك ضوء وورق و قلم . أكثر ما يجيء إلى البال مشاريع رسائل إلى الأحبة .و         ذكريات منه يجب أن يسجل لأحاسيسي بأن الروح تنوء به أنه كما عنونت إحدى القاصات العراقيات عنوان احد قصصها القصيرة (امتياز تنوء به الروح). فالكتابة عندي أن تكون في إطار عالم شعري . يشغلك عما حولك و يجعلك تعيش دواخلك بقوة .

يا لشدة الابتسام .. ونفسي الصافية ألتي لم تعد هذه الصفة مناسبة لها . نفسي ألتي تسقط قطرة ,قطرة كقطرات ماء في زير تسقط بعد أن تعتصر نفسها ثم ترمي نفسها متهالكة عند قدم الزير . و رغم صفاءه هو أصفى من الماء في الزير و لكن الذي يشربه الكلاب أيا نفسي هل حقا يحب أن يحتويك بكور يسلخ الدجاج فيه بعد أن ينتهي من أكل الفضلات .ولكي لا أرضى لها بذالك في ملكي . أني اشعر رغم بعدي عن الأحبة وهو حالة سيئة بأني في توافق معك أيها النفس أفضل من أي وقت مضى هل أنسى الساعات الطوال التي كنت فيها في حالة أشبه ما تكون  بعدم الوعي و يوم 30\4\1974 يافعا كنت ولم أكتشف هول الصدمة لم يكن بإمكان أحد ألإحساس بما كنت أعانيه ولكن داخلي كان يحترق بشيء أنا نفسي لم أكن أعرفه . كنت فيما أذكر أعيد قراءة موضوع عن الوحدة الإيطالية في التاريخ الحديث للصف الخامس الأدبي و وجدت نفسي أجلس تحت نخله فلم تعد تحملني قدماي ثم أطبقت الكتاب و انطلقت إلى البيت و كان وقت القراءة قد بدأ فقد بدأ الجو يبرد و الشمس توشك على المغيب .

و سلمت على من رأيته في الطريق بآلية و عدم مبالاة و في البيت قلت لهم دثروني .قد أفسر هذه الحادثة بأنها نتاج إرهاق سببه القراءة . ولكن السبب الأعمق هو هذا الفكر ألذي يملك الذهن لم أكن أجد طريق للخلاص في سن وجب علي فيها أن أسلك طريقا بعينه و لم يكن ثمة أحد من يعينني فكنت شبه وحيد . وعندما يجيء كاظم في الإجازات حدثته عما في نفسي و أنني لست في حالة طبيعية بل في حالة ذهول . والصفاء جافاني و خفت أن لا يعود مرة أخرى .أستمع إلي وطمأنني وعزا ذلك إلى أنني أقرأ الكتب بإفراط ! و قد تجلب النفس وتدفعها إلى تعاستها ولكنها هي ألتي تداويها أيضا . و بعد سنوات أخرى كانت تأتيني حالات سيئة . تشد نفسي لسبب أو لآخر ولكنني أحسست أن نفسي فيها كثير من القوة  قوة أحسها حين الضيق ربما سببها اختزاني لصفاء عشته بصدق طوال أحدى عشر سنة في الخميسية . و قلت أن ذلك كفيل بأن أعيش سعيدا أنها بداياتي البالغة الصفاء .حيث الحياة دونما زيف. هنا الآن نفسي أكثر صفاء و تجاربي أكثر عمقا وشمولا و معرفتي للأشياء تزداد . وخرجت من الحالة ألتي كنت فيها بقوة جديدة و أرادة لأن أحيا .. أنا أحيا . رغم اللغط ألذي حولي حول تعاسة الحياة هنا . مجرد تفكيري بأن نفسي صافية أحمد الخالق كثيرا بالي صاف . ما أسعد الإنسان  عندما لا يشغل داخل نفسه  ودع كل عضلاتك  يورمها التعب ولكن نفسك مطمئنة .

في أولاد حارتنا . تجد العمق الفكري و اللغة الجميلة . و الشخوص الغريبة ذات الحكايات الأكثر غرابة . و الرمز في الرواية واضح . رمز لأمور و حوادث جرت و قد تجري . أنه الصراع القديم الحديث ضد الظلم المتمثل في الفتوات  وضد الفقر و ضد الحرمان  في أبسط الحقوق ألتي خلقها الإله للإنسان . إنها دعوة للثورة للتحدي ووعد بالنصر  أكيد . فالرواية مقسمة إلى أجزاء كل جزء يتحدث عن شخص و عصره . أربعة أو خمسة أجيال يردد كل جيل حكاية رجل الجيل ألذي قبله بخشوع و رغبة في استمرار النصر منه و الجميع يستمدون قوتهم من شخص واحد يحترمه الجميع دونما استثناء سواء كانوا فقراء أو فتوات  هو الجبلاوي  ألذي تكفي كلمه واحدة منه لشخص لديه الاستعداد للتمرد لأن ليمنحه القوة كلها و العزيمة والأيمان بالنصر .

يبدأ الثائرون دائما في صغرهم بأعمال غير اعتيادية تستطيع جمع شمل أبناء الحارة حولهم فأحدهم حاو والآخر طبيب روحاني وواحد ساحر . كلهم في شبابهم تجمعهم فكرة العدل كأنما هي صفة وراثية انتقلت أليهم من جدهم الجبلاوي العدل مع القوة . فلا عدل دونما قوة .

و البيت الكبير ألذي يقف رمزا لمجدهم الغابر وجدهم ألذي أستطاع العيش لعدة أجيال يبدو كأنهم كانوا يعيشون بفضله فالوقت ملكه و لكنه يغتصب طوال الفترة أنه رمز لحياتهم المادية.

26\5\1981

عودة المجازون أمس مع رسالة من الأهل .كانوا قد مروا بالأهل وتعشوا عندهم . مجلات الجيل الشهر الخامس 1981 والدوحة الشهر الخامس مباريات الريشة عصرا هي أجمل ما في اليوم كله . البارحة استراحة و لكني لم أشبع نوم . أخ نزار ملازم مجند أصيب في الحرب للمرة الثالثة . كان نزار حزينا و يبدو و كأنه ليس معي في الحانوت . كان يتكلم بصوت منخفض . قال أن الله قد قسم له خبزة  أنهم يريدون قتله . أصيب في ديزفول قال أن السيارة إذا أصيبت مرتان يحيلونها إلى التقاعد وفي الواحدة ظهرا دعوا مواليد 1955 إلى الاحتياط مواليد جديدة تتعذب ولو أنهم كانوا تحت العذاب طوال الفترة . وفرح 1949 و لم أجد سببا لفرحهم . قالوا أن وضعنا الآن أفضل ولكن دواخلهم تقول قد نتسرح و أنا أرى ذلك بعيدا و بعيدا جدا فالحرب مستمرة في مضغ الأجساد فرحة و تقول كالنار في الآخرة هل من مزيد أنها نار الدنيا .

27\5\1981

هذه الفرصة لأن أرى كل هذه الأماكن الجميلة تجعلني أحمد الله أنني جنديا أنها فرصة لا تتاح عندما أكون في حياتي العادية وهنا أيضا لا تتاح كثيرا و أتيحت لي اليوم إلى دوكان !كم تحدث الجغرافيون بإفاضة عن جمال أماكن وكم تحدث الصحافيون ورجال الإعلان عن روعة أماكن و لكن ألذي رأيته اليوم بالتأكيد كان أجمل!من الفوج خرجنا بعد الثانية عشر إلى خلكان و كما قال المقدم صالح فارس عبد الرحمن . الطريق أسلكه لأول مرة سرنا إلى يميننا جبل هيبة سلطان و إلى يسارنا قمم متفرقة بعضها أعلاه ذات أشكال غريبة و القرى تمتد على السفوح غارقة في الشجر !الرعاة يتفيأ ون البلوط . و الوديان الجارية . في البداية خلكان إلى اليسار و أنت متجه إلى نحو دوكان و السليمانية . تبدو لقرية مبانيها محلية بعيدة عن الشارع ولكن فيها مبان حكومية . لم نمر بخلكان و استمررنا يحيط بنا الشجر ممتدا على السفوح بروعة .

ثم ناحية على الطريق أسمها جناوران على الشارع صغيرة . وبيوتها مدرجة و ليس بانحدار شديد . ثم استمر المسير فترى الهيبة هنا أعلاها يختلف قليلا حيث أنه أشبه بالحائط  و ممكن بناء قلاع عليها !و الوادي بيمين الهيبة المتقطعة إلى اليسار أرض وعرة و على أقدام الهيبة تنتشر بكثافة غير اعتيادية أشجار البلوط ولكن الطريق جيد و صعدا ته قليلة ثم وصلنا قرب دو كان  و الطريق قبلها يمر جنب وادي سحيق يجري به نهير والسلسلة إلى اليسار حجرية وفيها مناجم حجر تصعد إلى قمتها التركتورات فقط يستخرج الحجر منها ثم دو كان مدينة معلقة أعلى الجبل جبل ليس عاليا بصورة مخيفة كالجبل ألذي يجاوره بدت مدينة مشجرة ومبانيها جيدة و حديثة إلى حد ما و مدرجة إلى بيت فوق بيت نزلنا إلى واد أسفل المدينة المعلقة فيه أيضا بيوت حكومية فيما أعتقد مبنية بمحاذاة الزاب الأسفل ألذي يبدأ من بعد سد دو كان  ماء بديع ثم عبرنا جسرا و صعدنا إلى سوق المدينة . حيث توجد جنبها حامية البحيرة وهو معسكر جيد ومنه يصدمك المنظر الرائع للبحيرة ألتي تحصرها الجبال العالية و هذا الجزء لا يمكنك رؤيته من عند رانية . مياه زرقاء لا ليست زرقاء جدا ولكنها مخضرة . بقينا قليلا في الفوج و بإمكانك رؤية المدينة و سوقها و تقع الحامية قبالة ثانوية دو كان . ولم نجد بغيتنا عند الفوج فنزلنا إلى الجهة الأخرى منطقة مشجرة بكثافة بديعة . وبيوت حدائقها ذات ورود حلوة و أي ورد غير حلو و أنت تحس نفسك في سفرة . البيوت المواجهة للبحيرة ليست مواجهة بصورة مباشرة وهي في وادي أيضا بيوت مبنية بالحجر وطرازها أشبه ببيوت استطلاعات رأيتها لبعض المدن اللبنانية واجهاتها ذات أقواس . وصعدنا إلى جبل خلف هذا الوادي الأخضر فوقه وحدة عسكرية تبدو كأنها مختصة بمقاومة الطائرات الرباعيات . وسألنا عن السيارة ذات المحولات ألتي ستجعل الفوج      وبصورة دائمة ليلا ونهارا . ثم رجعنا في طريقنا . في مقابل المدينة توجد المدينة السياحية تبدو بيوت للإيجار و زوارق أيضا و إلى جنبها طريق صاعد إلى أعلى الجبل ذاهب كما يقال إلى دربندخان.ثم رجعنا . يبدو الأهلي كأنهم يرون جنود لأول مرة و نحن منظر عسكر بسيارات تيوتا مدنية و الطريق خطر جدا حيث الجيش قليل بربايا متباعدة . و حذرنا المقدم بصورة ملحة من الطريق و لكننا أعداد كافية ثلاث سيارات بأكثر من 25 شخص و قائدنا عزيزة جلال.

إلى رانية وفي الصباح الجو لا تزال تشوبه برودة ليست قليلة تضطر راكب السيارة المكشوفة إلى لبس قمصلة أو سواها . أمس جاءنا من المعسكر الخلفي الأخ محمد صالح عويد من أهالي سامراء شاب هادئ بصورة فوق الاعتيادية ولكنه يبدو معتدا بنفسه و هي صفة ليست سيئة على العموم ولكن من النظرات الأولى يحسن أن يكون صديقا جيدا فمن لهجته يبدو ذو أصول ريفية مثله مثلي وهذا وجه الشبه و من المؤكد أنني سأجد وجوه تشابه أخرى .

30\5\1981

واجب صباحي في الأولى مع دنيا الله لنجيب محفوظ .و الربيع بل نهايته تجاهد الشمس ألتي تقوى على حرق العشب . وتزداد قوتها يوما بعد يوم . وآخر أنواع الزهور تمتد على أديم الأرض جميلة صفراء وزرقاء و بيضاء . و الحشيش يتحول تدريجيا إلى الاصفرار . هذه الفترة كانت لنا لحين وصول الأبواب الشبابيك ألتي قد تصل اليوم و غدا حيث سيبدأ عملنا مع فواتح حزيران !الإنذار اليوم تحول وقته إلى الرابعة و عشر دقائق.

 

(1) comments

العائد شوقي بزيع

 

 
   
 

 جريدة "السفير" - 21 أيلول 1984 





 

 

(0) comments



.
.